لماذا يتفاجأ المتفاجئون بالحرب؟

 علي مطر

فجأة يكتبون. فجأة يهاجمون ويلعنون. فجأة يتحدثون عن الحرب وكأنها نزلت من السماء بلا مقدمات.
لكن الحروب في هذه المنطقة لا تسقط من العدم. هي ليست صاعقة. هي نتيجة.

الحرب هنا لها تاريخ طويل، وسياق ممتد من الاستبداد السياسي، والركود الفكري، والتخلف المؤسسي.
وهي قبل كل شيء نتيجة غياب مشروع ديمقراطي حقيقي.

لكن المشكلة أن كثيرين ما زالوا يفهمون الديمقراطية على نحو ساذج، كأنها مجرد صندوق اقتراع. كأن الديمقراطية إجراء تقني، لا مشروع حضاري. بينما الديمقراطية في حقيقتها بنية كاملة: علمانية تفصل الدولة عن العصبيات، حداثة تنتج المعرفة، تنوير يحرر العقل، وتنمية تؤسس للاستقرار الاجتماعي. بل لعل التنمية هي القاعدة التي تقوم عليها كل هذه العناصر.

غير أن ما حدث في واقعنا كان العكس تمامًا.
غابت هذه الشروط، واستُبدلت بنقيضها: بالماضوية، والمذهبية، والانغلاق، والاقتصاد الريعي، والنهب المنظم الذي استباح الدولة والمجتمع معًا.

ثم يبدأ الحديث عن الخارج وكأن كل المأساة تبدأ منه وتنتهي عنده. لكن هذه الرواية المريحة تتجاهل حقيقة بسيطة: المجتمعات التي تمتلك مؤسسات قوية لا تتحول بسهولة إلى ساحات حرب.

لقد نسي كثيرون أنهم خاضوا فيما بينهم حروبًا أهلية دامية. نسيوا أنهم اقتتلوا على السلطة والنفوذ، وأن العنف كان دائمًا خيارًا مفضلًا حين يعجز العقل عن إنتاج حل.

العنف أسهل.
دائمًا أسهل.

كما يفعل أب يصفع طفله لأنه كسر صحنًا، بدل أن يشرح له كيف يتعلم.
أسهل شيء أن تضغط الزناد.
أما الأصعب فهو أن تبني جامعة حقيقية، أو مركز أبحاث، أو مؤسسة تنتج المعرفة.

في هذا البلد آلاف العقول. آلاف المواهب. آلاف الأفكار التي كان يمكن أن تتحول إلى قوة حضارية. لكنها تموت بصمت لأنها بلا بنية تحتضنها: بلا مختبرات، بلا مراكز تفكير، بلا دولة ترى في العقل استثمارًا استراتيجيًا.

الحرب، في جوهرها، ليست إلا غياب العقل عن إدارة المجتمع.

لبنان، هذا البلد الذي كان يومًا فينيقيا، كان يمكن أن يكون شيئًا آخر تمامًا: مدينة مضاءة بالمعرفة، وميناءً للأفكار، ومنارةً للسلام والإبداع في شرقٍ متعب. وقد رأى بعض العقول ذلك الاحتمال فعلًا.

لكن قانونًا آخر انتصر:
قانون الصراع بدل التنافس،
وقانون الغلبة بدل الإنتاج،
وقانون الغابة بدل الدولة.

ومنذ عقود كانت هناك أصوات تنادي: انقلوا الصراع من العنف إلى التنافس الشريف، ومن سياسة الغلبة إلى سياسة الإنتاج، ومن حكم الغيبيات إلى حكم العقل.

لكن تلك النداءات لم تُهمل فقط، بل أُطلق عليها الرصاص.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تقع الحرب.
السؤال الحقيقي هو: لماذا يتفاجأ الناس بالحرب، بعد كل ما صنعوه بأيديهم

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain