إسرائيل لا تستطيع هزيمة حزب الله بالقصف وحده

رون بن يشاي\يديعوت أحرونوت\ حول استراتيجيات الصمود لدى حزب الله

 

تُظهر الخبرة التي راكمناها خلال 44 عامًا من القتال في لبنان أن تكرار الأساليب نفسها لن يحل المشكلة. فمقتل 200 عنصر إضافي من حزب الله، أو انهيار 10 أبراج سكنية أخرى (المعروفة في الجيش الإسرائيلي باسم “أهداف القوة”) وسط سحب من الغبار والنار في الضاحية الجنوبية لبيروت، أو تدمير 20 قرية إضافية في جنوب لبنان، أو استهداف منشأة أخرى لإنتاج الصواريخ تحت الأرض في البقاع بضربة مباشرة مدمّرة، لن يكون أي منها كافيًا بمفرده لحل المشكلة.

سيواصل حزب الله دفع الإسرائيليين إلى الملاجئ، ومن وقت إلى آخر سيقتل جنديًا إسرائيليًا أو مزارعًا في المطلة، لأن هذا هو جوهر سبب وجوده. وطالما أن التنظيم يحتفظ بالقدرة المادية على تنفيذ هذه المهمة من خلال ما يملكه من صواريخ وطائرات مسيّرة، فسيستمر في تلقي الدعم من إيران.

وأي محاولة لصياغة رد ينهي تهديد حزب الله لسنوات مقبلة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن دافع التنظيم ينبع من خليط متفجر من الحماسة الدينية التي يغذيها آيات الله في طهران، والدعم الذي يقدمه الحرس الثوري الإيراني، وسنوات الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي التي حولت حزب الله إلى قوة عسكرية كبيرة.

ولا يقل أهمية عن ذلك الدعم الذي يتلقاه حزب الله من الطائفة الشيعية في لبنان، التي أصبحت اليوم أكبر طائفة في البلاد. فعلى مدى قرون، اتسمت هذه الجماعة بشعور بالمظلومية والتهميش. لكن خلال الأربعين عامًا الماضية، اختبر كثير من الشيعة شعورًا قويًا بالقوة والفخر لأن حزب الله هو أقوى ميليشيا مسلحة في لبنان، ولأنهم يرون أن الحزب، لا الجيش اللبناني، هو من يحمي لبنان من إسرائيل ومن الجماعات الجهادية السنية في سوريا.

كما يوجد بُعد اقتصادي يفسر جزءًا من نفوذ حزب الله داخل المجتمع الشيعي. فقد اعتمد الشيعة تقليديًا في جنوب لبنان والبقاع على الزراعة المعيشية وتجارة المخدرات كمصدر دخل. لكن زراعة القنب وتصنيع المخدرات شبه المكررة القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا تعرضتا لضربة قاسية خلال الحرب الأهلية السورية، ما ترك مزارعي البقاع أمام مصادر دخل محدودة.

وفي هذا الفراغ دخلت مؤسسات حزب الله الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب ما يقارب مليار دولار سنويًا من التمويل الإيراني، لتمويل آلاف العناصر المتفرغين. وأصبح ذلك بمثابة شبكة أمان اقتصادي ساعدت العديد من العائلات الشيعية على الصمود حتى خلال الانهيار الاقتصادي الحالي في لبنان.

تآكل الردع الذي تحقق عام 2024

تساعد هذه الوقائع على تفسير كيف تمكن حزب الله، رغم الضربة العسكرية والعملياتية والمادية والنفسية القاسية التي تلقاها خلال عملية “السهام الشمالية” في صيف 2024، بما في ذلك مقتل حسن نصر الله، من استعادة جزء من قدراته بحلول شتاء 2026 واستئناف القتال ضد إسرائيل.

وعلاوة على ذلك، ومع استمرار حصوله على دعم مالي محدود من إيران، يواصل التنظيم تجنيد عناصر شباب، ودفع رواتب مخفضة لعناصره، وشراء مئات الطائرات المسيّرة الرخيصة الموجهة عبر الألياف البصرية من الأسواق العالمية. ومن خلال تزويدها برؤوس حربية من نوع RPG، نجح حزب الله في خلق شعور متزايد بالعجز والإحباط لدى الإسرائيليين.

ويجب الاعتراف، وإن كان ذلك مؤسفًا من وجهة النظر الإسرائيلية، بأن الردع الذي فرضته القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية والقوة الجوية قبل عامين قد تآكل. فاستمرار تدمير القرى في جنوب لبنان، بدلًا من الضغط على حزب الله للتوقف، زاد من غضب السكان المهجرين ومنح عناصر قوة الرضوان شرعية أكبر لمواصلة القتال.

كما أن الدافع الجهادي، إلى جانب الأمل في أن تكافئ إيران ما بعد الحرب التنظيم على ولائه، يسمح لقيادة حزب الله بتجاهل الخسائر الفادحة، وانهيار المباني، وتصاعد المعارضة داخل لبنان، والاستمرار في القتال.

استراتيجية الصمود

الحقيقة أن حزب الله يواجه اليوم ضغوطًا شديدة على جميع الجبهات. فمئات الآلاف من الشيعة المهجرين من قرى الجنوب لا يزالون بلا مساكن دائمة ويعانون من صعوبات معيشية كبيرة. كما أن الحكومة اللبنانية، بدعم من مختلف الطوائف بما فيها بعض الشيعة، ترفض مطالبة حزب الله بالاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة.

كذلك فشل نعيم قاسم في ملء الفراغ الذي تركه نصر الله، بينما أصبح نبيه بري، رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل، الشخصية السياسية الأكثر تأثيرًا داخل المجتمع الشيعي.

ولهذا السبب، اعتمد حزب الله وقيادته، بالتنسيق مع إيران، استراتيجية تقوم على الصمود والانتظار حتى تمر العاصفة. ويأمل الحزب أن تنجح معه المعادلة القديمة القائمة على “الانتصار عبر عدم الهزيمة”، وهي استراتيجية استفادت منها جماعات جهادية عديدة حول العالم.

وبحسب هذا المنطق، إذا كان بإمكان حماس أن تعتمد هذا النهج، فلماذا لا يستطيع حزب الله فعل الشيء نفسه؟

مساران استراتيجيان لإنهاء التهديد

في ظل هذه الظروف، يرى الكاتب أن هناك مسارين استراتيجيين يمكن أن ينهيا التهديد الذي يمثله حزب الله لإسرائيل.

المسار الأول يتمثل في احتلال لبنان، بما في ذلك البقاع، وفرض حصار على بيروت، على غرار ما جرى خلال حرب لبنان الأولى. ويرى أن ذلك قد يسمح بتفكيك القدرات العسكرية الاستراتيجية لحزب الله، ومنح الدولة اللبنانية والجيش اللبناني فرصة لاستكمال المهمة.

لكن الكاتب يعتبر أن كلفة هذا الخيار تفوق منافعه بالنسبة لإسرائيل. فالجيش الإسرائيلي مرهق بعد أكثر من عامين من القتال، واحتلال لبنان سيتطلب بقاء قوات إسرائيلية لفترة طويلة، كما سيزيد من عزلة إسرائيل الدولية وسيعرضها لضغوط أمريكية وأوروبية وعربية متزايدة.

حل محتمل

ويقترح الكاتب بدلًا من ذلك استراتيجية متعددة المسارات.

المسار الأول عسكري، يقوم على عمليات محدودة ومفاجئة وسريعة تعتمد على المناورة الجوية والبرية بهدف إبعاد حزب الله عن الحدود وعن ما يُسمى “الخط الأصفر”، وإجباره على الانتشار والتشتت.

ويرى الكاتب أن وقف إطلاق النار في لبنان قد لا يكون خيارًا سيئًا، خصوصًا إذا جاء ضمن تفاهم أمريكي-إيراني وأجبرت طهران حزب الله على الالتزام به، لأنه يمنح إسرائيل وقتًا لتطوير قدراتها الدفاعية ضد أسراب الطائرات المسيّرة.

المسار الثاني دبلوماسي، عبر مفاوضات مباشرة وسريعة بين إسرائيل والرئيس اللبناني Joseph Aoun بدل المسار البطيء الجاري في واشنطن. ويرى أن مجرد وجود هذه المفاوضات قد يسحب من حزب الله شرعية ادعائه بأنه المدافع عن لبنان.

أما المسار الثالث فهو اقتصادي، من خلال توفير مساعدات واسعة لإعادة إعمار لبنان إذا توقف حزب الله عن العمل كقوة مسلحة مستقلة، مع مساهمة دول مثل Saudi Arabia وQatar وUnited States في تمويل برامج دعم اقتصادي وتشجيع الدولة اللبنانية على استعادة دورها.

كما يتضمن هذا المسار دعمًا أمريكيًا وفرنسيًا وإماراتيًا للجيش اللبناني عبر التدريب والتجهيز، إضافة إلى جهود لقطع خطوط التمويل والتسليح القادمة من إيران بالتعاون مع القيادة الجديدة في Syria.

ويخلص الكاتب إلى أن هذه الصيغة قد تنجح إذا نُفذت بشكل متكامل، لكنه يطرح سؤالًا أخيرًا: هل تملك حكومة Benjamin Netanyahu الإرادة والقدرة السياسية لإطلاق مسار متعدد الجبهات كهذا، والحصول على دعم Donald Trump، وقبول تسوية حقيقية مع الرئيس اللبناني جوزف عون تتضمن تنازلات حدودية في لبنان؟

 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه ولا تعكس بالضرورة موقف التحالف الوطني اللبناني (LNA)

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain