د ماجد شرف الدين *
الاستراتيجية تبدأ من سؤال داخلي:
كيف نصنع دولة قابلة للحياة؟
كيف نخلق شرعية لا تُفرض بالقوة؟
كيف نحول الموارد إلى إنتاج لا إلى شعارات؟
السلاح ليس خياراً استراتيجياً عندما تكون الدولة ضعيفة من الداخل، لأن الاستراتيجية تُبنى على القدرة البنيوية لا على الانفعال السياسي. فالدولة التي تعاني من هشاشة مؤسساتية، وتآكل في الشرعية، وانقسام اجتماعي، لا تستطيع تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ مستدام؛ بل غالباً ما يتحوّل السلاح فيها إلى عبء يُسرّع التفكك بدل أن يمنعَه.
أولاً: ما معنى الضعف الداخلي؟
الضعف لا يعني فقط أزمة اقتصادية أو عجزاً مالياً، بل يشمل:
هشاشة مؤسسات الحكم وسيادة القانون
١-انقساماً مجتمعياً حاداً
٢-اقتصاداً ريعياً أو غير منتج
٣-فساداً يلتهم الموارد ويقوّض الثقة
في هذه البيئة، تصبح الدولة فاقدةً لعنصرين أساسيين لأي استراتيجية ناجحة: الشرعية والاستمرارية. وبدونهما لا يمكن توظيف السلاح ضمن رؤية بعيدة المدى.
ثانياً: الاستراتيجية ليست سلاحاً
التاريخ يُظهر أن الاستراتيجية تبدأ من الداخل. فالقوة العسكرية أداة ضمن منظومة أشمل تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتعليم، والهوية الوطنية. لهذا استطاعت دول مثل المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان بعد 1945، أن تعيد بناء مكانتها الدولية عبر إصلاح الداخل أولاً، قبل التفكير في أي إسقاط خارجي للقوة. أما حين يُستخدم السلاح لتعويض هشاشة الداخل، فإنه يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين:
١-عسكرة السياسة وتحويلها إلى أداة تعبئة دائمة.
٢-استنزاف الموارد المحدودة في سباق تسلّح لا يخدم التنمية.
ثالثاً: انعدام الاستراتيجية أم هيمنة ردّ الفعل؟
في كثير من الحالات، لا يكون الخلل في غياب السلاح، بل في إنعدام الرؤية التي تحدد:
١-ما الهدف النهائي؟
٢-ما الأولويات؟
٣-ما الكلفة المقبولة؟
٤-وما نقطة التراجع؟
الدول التي تتحرك بردّ الفعل، أو تحت ضغط رمزية القوة، تدخل في صراعات لا تستطيع تحمّلها اقتصادياً أو اجتماعياً. وهنا يصبح السلاح وسيلة لإدارة الأزمات الآنية، لا لتحقيق مشروع تاريخي.
رابعاً: منطق القوة الحقيقي
القوة الحقيقية ليست في امتلاك منظومات عسكرية متقدمة، بل في القدرة على:
١-امتصاص الصدمات
٢-الحفاظ على التماسك الاجتماعي
٣-تحويل الموارد إلى إنتاج
٤-إدارة الصراع دون الانهيار
لهذا فإن الدولة المتهالكة حين ترفع شعار المواجهة الشاملة، تكون عملياً تسرّع لحظة الاصطدام بين ضعفها الداخلي وضغطها الخارجي.
الخلاصة
السلاح قد يخلق توازناً مؤقتاً، لكنه لا يصنع استراتيجية لدولة تفتقد إلى البنية الصلبة. الاستراتيجية تبدأ من إصلاح الداخل، وبناء الشرعية، وترسيخ الاقتصاد المنتج. أما غير ذلك، فهو انتقال من هشاشة داخلية إلى مغامرة خارجية.
د. ماجد محمد شرف الدين*
منسق مادة عناصر التحليل الاقتصادي
جامعة مونتريال