الشرع على أبواب اليمن… وإيران تعيد تجميع جبهاتها

 

لم يعد السؤال افتراضياً.

نقلا عن رويترز، السعودية طلبت من سوريا إرسال قوات للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين. دمشق لم تقل نعم بعد، لكنها لم تقل لا أيضاً. وبين الرياض وصنعاء ودمشق وبغداد وتل أبيب، قد يكون القرار السوري المقبل أكبر بكثير من مجرد مشاركة عسكرية في اليمن.

 

في السادس من أكتوبر، كان الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض يلتقي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة، كشفت رويترز ما لم يظهر في البيانات الدبلوماسية المعتادة: السعودية طلبت من سوريا بحث إرسال قوات للقتال ضد الحوثيين في اليمن.

 

وبحسب مسؤول أميركي وضابط سوري تحدثا لرويترز، فإن دمشق تدرس بالفعل خيارات تتراوح بين تقديم مساعدة دفاعية للسعودية وبين نشر قوات سورية للمشاركة هجومياً إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض. أما الرد السوري الرسمي فكان محسوباً: دمشق تقف مع السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، لكن أولويتها لا تزال التعافي من الحرب وإعادة بناء الداخل السوري.

 

إلا صحيفة Axios ، فقد ذهبت أبعد من ذلك بكثير. فبحسب ثلاثة مسؤولين أميركيين تحدثوا إليها، يدور النقاش حول احتمال مشاركة ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف جندي سوري. الرقم لم تؤكده دمشق أو الرياض رسميا.

 

المفارقة أن هذا النقاش يجري فيما الهجمات الحوثية طالت المطارات السعودية، ويقصف الحوثيون القوات اليمنية الحكومية بالصواريخ البالستية.

 

إذن، محمد بن سلمان لا يطلب خدمة رمزية من الشرع. السعودية تواجه مجدداً تهديداً عسكرياً مباشراً على أراضيها، وفي الخلفية باب المندب وأمن البحر الأحمر وتجارة العالم. ولكن لماذا سوريا؟

سوريا الجديدة خرجت من حرب طويلة ومعها جيش لا يزال في طور إعادة التكوين، وسلاح منتشر، ومجموعات مختلفة الخلفيات، وبين المقاتلين الذين ساهموا في إسقاط نظام الأسد مقاتلون أجانب أصبح مستقبلهم واحداً من الملفات الحساسة أمام الدولة الجديدة.

 

وبالتالي يظهر سؤال مغرٍ: هل تستطيع دمشق تحويل جزء من القوة العسكرية الذي ورثته من الحرب السورية إلى قوة تقاتل خارج سوريا؟

 

حتى الآن لا توجد معلومات موثوقة تثبت أن السعودية طلبت تحديداً إرسال الإيغور أو التركستانيين أو المقاتلين الأجانب إلى اليمن. لكن المشكلة موجودة، والاحتمال يستحق المراقبة.

 

الشرع يحتاج إلى بناء دولة وجيش مركزي، لا إلى الاحتفاظ إلى ما لا نهاية بتشكيلات ومقاتلين تشكلوا في زمن الثورة والحرب. وإرسال قوات إلى الخارج يمكن أن يوفر منفذاً لبعض هذه الطاقة العسكرية، لكنه قد يخلق مشكلة أخطر بكثير من المشكلة التي يحاول حلها.

فاليمن ليس ساحة فارغة. إن دخلها آلاف المقاتلين السوريين، وخصوصاً إذا حمل بعضهم خلفيات جهادية عابرة للحدود، يمكن بسهولة أن يعاد تعريف الحرب من صراع سعودي–حوثي إلى مواجهة مذهبية أوسع.

 

والحوثيون أنفسهم ليسوا مجرد جماعة يمنية صغيرة. لقد تحولوا إلى سلطة أمر واقع تسيطر على مساحات واسعة من شمال اليمن، وطورت قدرات صاروخية ومسيّرات، وأصبحت عنصراً مهماً في شبكة النفوذ الإيرانية، مع احتفاظها في الوقت نفسه بهوامش قرار ومصالح يمنية خاصة بها.

 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: إذا دخل السوريون، فمن يدخل بعدهم؟

أي اشتباك سوري مباشر مع الحوثيين سيضع دمشق للمرة الأولى في مواجهة عسكرية مفتوحة مع أحد أهم حلفاء إيران الإقليميين.

وهذا يعني أن المسألة لن تبقى محصورة بين دمشق وصنعاء.

فشبكة إيران لم تكن خلال السنوات الماضية جيشاً واحداً بقيادة واحدة، بل منظومة من القوى المسلحة تمتد من لبنان إلى العراق واليمن. وقد شاركت فصائل مسلحة انطلاقاً من العراق في إطلاق مسيّرات وصواريخ باتجاه إسرائيل خلال الحرب الإقليمية الأخيرة. إسرائيل نفسها تقول إن الهجمات جاءت من جبهات متعددة، بينها العراق واليمن وإيران، ولبنان وسوريا وغزة.

 

وهنا يعود السؤال الذي لم تستطع دول المنطقة حله حتى الآن: من يملك قرار الحرب؟ الدولة أم الفصيل؟

الفصائل العراقية الموالية لإيران تجاهر برفض الولاء للدولة.

وإذا تحرك بعضها، فإن الشرع قد يجد نفسه أمام مفارقة تاريخية: الرجل الذي أسقط النفوذ الإيراني العسكري من دمشق يمكن أن يجد قواته تقاتل شبكة مرتبطة بإيران على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من سوريا.

 

نشر الجيش الإسرائيلي البارحة حصيلة ثلاث سنوات من الحرب متعددة الجبهات. وبحسب أرقامه، ضرب نحو مئة ألف هدف منذ أكتوبر 2023، بينها أهداف في لبنان وسوريا وإيران واليمن، فيما تعرضت إسرائيل لصواريخ ومسيّرات من عدة جبهات، بينها اليمن والعراق، هذه الحالة تجعل الصورة شديدة الغرابة:

أي أن إسرائيل والسعودية وسوريا الجديدة قد تجد نفسها، من دون تحالف بينها ومن دون غرفة عمليات مشتركة بالضرورة، تقاتل في اتجاه استراتيجي متقاطع: تقليص القدرات العسكرية لشبكة إيران الإقليمية.

وهذا تقاطع مصالح.

لكن قد يكون تقاطع المصالح أحياناً أكثر فاعلية مما تفعل التحالفات المعلنة.

 

والسؤال اللبناني حاضر، إذا قرر أحمد الشرع إرسال قوات سورية لمحاربة الحوثيين، بينما يرفض استخدام الجيش السوري لحل مشكلة حزب الله داخل لبنان، فسوف يبدو الأمر متناقضاً للوهلة الأولى:

لماذا يستطيع الجندي السوري أن يقاتل حليف إيران في اليمن، ولا يقاتل حليفها على بعد عشرات الكيلومترات من دمشق؟

الجواب المحتمل يكمن في مفهوم السيادة نفسه الذي يتعاون على بنائه وتوطيده جميع أعداء إيران.

لبنان دولة مستقلة، واستعادة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد الدولة يفترض أن تكون مسؤولية مؤسساتها وجيشها، لا مسؤولية جيش سوري يعبر الحدود مجدداً.

 

أما اليمن، فإذا جرت المشاركة بطلب رسمي من الحكومة اليمنية وضمن اتفاقات واضحة مع السعودية، فستحاول دمشق تقديمها باعتبارها تعاوناً بين دول لا تدخلاً لفرض سلطة سورية على دولة أخرى.

 

وهذا التفريق ستكون له دلالة سياسية كبيرة في لبنان، لأن الرسالة تصبح عندها أكثر قسوة: إذا كانت دمشق الجديدة تعتبر أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تعالج وجود جيش موازٍ داخل أراضيها، فما الحجة التي تبقى للبنانيين لتأجيل هذه المهمة؟

 

السيناريو الأخطر هو أن تتحول اليمن مرة أخرى إلى المغناطيس الذي يجذب الجميع، مقاتلون سوريون يدخلون الحرب،

فصائل عراقية تتحرك دعماً للحوثيين، إيران تزيد الدعم، إسرائيل توسع ضرباتها في اليمن، السعودية تصعد عملياتها، ومقاتلون متطرفون من الاتجاهين يبدؤون بالنظر إلى اليمن باعتباره ساحة جديدة للجهاد المذهبي.

 

عندها لا نكون أمام حرب يمنية جديدة، نكون أمام نسخة جديدة من حرب الوكلاء الإقليمية، لكن بعد سقوط النظام السوري القديم وتراجع بعض مواقع إيران التقليدية، وبمشاركة سوريا جديدة تقف هذه المرة في المعسكر المقابل لطهران.

 

لهذا فإن الخبر الأهم لن يكون مجرد إعلان دمشق أنها ستساعد السعودية، ولكن:

من سيرسل الشرع؟ كم عددهم؟ تحت قيادة من؟ وما هي قواعد الاشتباك؟

إذا كانت المهمة دفاعية ومحدودة، فنحن أمام ردّ جميل استراتيجي من دمشق إلى الرياض.

أما إذا ظهرت بالفعل قوة سورية هجومية متجهة نحو اليمن، فالمسألة مختلفة تماماً، حينها قد لا يكون أحمد الشرع قد دخل حرب اليمن فحسب، قد تكون سوريا قد دخلت للمرة الأولى، كدولة، المواجهة الإقليمية مع شبكة إيران من الجهة الأخرى.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد التحالف الوطني اللبناني: تحويل الإحباط اللبناني إلى قوة وطنية منظمة، وإعداد جيل جديد لا يكتفي بالاعتراض على الانهيار، بل يستعد لتحمّل مسؤولية القيادة وبناء الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول استعادة ودائع اللبنانيين ومواجهة منظومة النهب المصرفية ـ السياسية: التصعيد خيارنا | دبابات العدو تعبر الليطاني ومعركة النبطية تقترب | التحالف الوطني اللبناني يطلق مبادرته التربوية من أجل مجتمع متعاف وموحد |