تحديث سياسي | الخليج يدخل مرحلة عضّ أصابع: هرمز ورقة إيران، الصين تحسب كلفتها، ولبنان يدفع من الهامش

انتهت جولة إسلام آباد الأميركية–الإيرانية من دون اتفاق، وبقيت العقد نفسها مفتوحة: مضيق هرمز، مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، والأموال الإيرانية المجمدة. هذا الفشل لا يعني فقط تعثر مسار تفاوضي، بل يكشف أن الخليج دخل مرحلة جديدة: المعركة لم تعد على الصواريخ فقط، بل على الممرات البحرية، الطاقة، التموضع الدولي، ومن يملك حق فرض الكلفة على العالم. بالنسبة إلى لبنان، هذا تطور شديد الخطورة، لأن أي صدام طويل في الخليج سيرتد عليه في الوقود، النقل، الشحن، والقدرة على تحمّل حرب جنوب مفتوحة أصلًا.

ماذا حدث

توقفت المحادثات بعد 21 ساعة من التفاوض المباشر من دون اختراق. واشنطن شددت على مطلب واضح: التزام إيراني بعدم السعي إلى السلاح النووي، مع معالجة ملف اليورانيوم المخصب وفتح هرمز أمام الملاحة. في المقابل، تمسكت طهران بحقوقها النووية، وربطت أي تفاهم بملفات أوسع تشمل الأموال المجمدة وشروط ما بعد الحرب.

النتيجة العملية كانت وقفًا هشًا للنار بلا اتفاق سياسي.

الأهم أن الحرب لم تُخرج الورقة النووية من يد إيران. وول ستريت جورنال أوردت أن طهران ما زالت تحتفظ بعناصر رئيسية من برنامجها النووي، بينها نحو 1000 رطل من اليورانيوم القريب من مستوى الاستخدام العسكري، إضافة إلى مواقع تحت الأرض وبنية تقنية لم تُمحَ بالكامل. هذا يعني أن المفاوضات لا تجري مع إيران منزوعـة الأوراق، بل مع إيران لا تزال تملك ورقة ردع ومساومة في آن.

وفي هرمز، بقيت الصورة مرتبكة. رويترز أفادت في الأيام الماضية بأن المرور ظل مقيدًا، وأن عودة الملاحة الكاملة لم تتحقق، فيما أظهر اختبار مرور ناقلات صينية أن المضيق لم يعد ممرًا طبيعيًا بل ممرًا مشروطًا أمنيًا وسياسيًا. وفي الوقت نفسه، حذرت هيئات الطيران الأوروبية من أزمة وشيكة في وقود الطائرات إذا استمر الاضطراب، مع اعتماد أوروبا الكبير على إمدادات قادمة من الخليج.

لماذا يهم

المسألة في الخليج لم تعد مجرد سؤال: هل تنجح المفاوضات أم تفشل؟ المسألة صارت أعمق: من يملك اليد العليا في الممرات، ومن يفرض على الآخر كلفة الاستمرار؟

في القراءة الاستراتيجية ، هرمز هو عقدة الصين بقدر ما هو عقدة واشنطن وطهران. الفكرة الأساسية هنا أن بكين لا تنظر إلى المضيق كخبر نفطي عابر، بل كأحد شرايين أمنها الصناعي. فإذا كان أكثر من نصف وارداتها النفطية يمر عبر هذا الممر، فإن أي توتر طويل فيه لا يهدد الأسعار فقط، بل يهدد المصانع والنمو والاستقرار الاقتصادي الصيني نفسه. وفي هذه القراءة، لا تبدو إيران بالنسبة إلى الصين مجرد شريك طاقة، بل ركيزة جيوسياسية في الحزام والطريق، وجسرًا بريًا يربط آسيا بأوروبا خارج الممرات البحرية التي تستطيع الولايات المتحدة الضغط عليها.

لكن الصورة الصينية أكثر تعقيدًا من مجرد الخوف على النفط. في التحليل الذي عرضته، ترى بكين في انخراط واشنطن العميق في الشرق الأوسط فخًا ذهبيًا: حرب تستهلك المال، الذخائر، والانتباه السياسي والعسكري الأميركي، أي كل ما كان يفترض أن يُوظَّف في آسيا والمحيط الهادئ وتايوان.

هذا المعنى يلتقي جزئيًا مع ما أوردته أسوشيتد برس اليوم عن أن الحرب مع إيران سحبت الموارد والاهتمام الأميركيين بعيدًا عن آسيا، وأثارت قلق الحلفاء هناك من إضعاف الردع في وجه الصين.

ومن هنا تأتي حساسية كابوس سقوط النظام الإيراني في الحساب الصيني. في القراءة التي وضعتها، لا تريد بكين إيران منهارة، لأن البديل قد يكون إما نظامًا مواليًا للغرب يفتح الطاقة الإيرانية أمام واشنطن، أو فوضى واسعة تمتد آثارها إلى آسيا الوسطى وممرات التجارة البرية. لذلك يظهر ما تسميه هذه القراءة الدعم الصيني الخفي: شراء النفط الإيراني، تسهيلات مالية وتقنية، وغطاء دبلوماسي يمنع عزلاً كاملاً لطهران. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها لأنها تعني أن معركة الخليج ليست فقط أميركية–إيرانية، بل ساحة اشتباك بارد بين واشنطن وبكين على شكل النظام الدولي المقبل.

في موازاة ذلك، تبرز قراءة الخبير السياسي الأميركي روبرت بايب إلى أن الحرب كشفت تحولًا استراتيجيًا لا مجرد جولة عسكرية، وأن إيران خرجت منها محتفظة بقدرة على التحكم بكلفة الملاحة والطاقة، فيما تضررت صدقية واشنطن أمام الحلفاء. سواء اتفقنا بالكامل مع هذا الحكم أم لا، فالمهم فيه أنه يلتقط اتجاهًا بدأ يظهر فعلًا: دول الخليج لم تعد تتعامل مع الصراع باعتباره نزاعًا يمكن تركه لواشنطن وحدها، بل باعتباره إعادة ترتيب لهرم القوة في الخليج قد تدفع بعض الدول إلى الموازنة، والحياد الحذر، بدل الاصطفاف الكامل.

وتلتقي مع هذا الاتجاه قراءات عسكرية أكثر تشاؤمًا، مثل قراءة الخبير الاستراتيجي دوغلاس ماكغريغور التي تُشكك أصلًا في الرواية الأميركية عن النجاح. الفكرة المركزية هنا ليست فقط أن الأهداف العسكرية لم تتحقق بالكامل، بل أن إقفال هرمز حصل فعليًا أيضًا عبر التأمين والمخاطر التجارية، لا فقط عبر القوة الإيرانية المباشرة. وهذا مهم جدًا لأن معناه أن الحرب البحرية لا تحتاج دائمًا إلى إغلاق كامل بالقوة؛ يكفي أن تصبح كلفة المرور والتأمين مرتفعة ومخيفة حتى يتجمد جزء من الحركة التجارية. هذه الفكرة يعضدها عمليًا ما نقلته رويترز عن اضطراب الشحن والطيران والوقود في أوروبا، وعن خشية الأسواق من استمرار عدم اليقين حتى عندما لا يكون المضيق “مغلقًا” بشكل مطلق.

ومن زاوية أوروبية، الصورة لا تقل خطورة. تحذيرات نقص وقود الطائرات في أوروبا ليست تفصيلًا تقنيًا، بل إشارة إلى أن أزمة الخليج بدأت تنتقل من أسواق النفط إلى الحياة اليومية والبنية التشغيلية للقارة. عندما تصبح المطارات نفسها مهددة بنقص وقود، فهذا يعني أن الخليج لم يعد ملفًا إقليميًا بل عقدة تمس التجارة والسياحة وسلاسل النقل العالمية.

ماذا يعني للبنان

أولًا، اقتصاديًا ومعيشيًا:
لبنان ليس لاعبًا في هرمز، لكنه من أوائل من يدفعون كلفته. بلد يعتمد على الاستيراد والطاقة الخارجية لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق كي يتأذى؛ يكفي ارتفاع التأمين، واضطراب الشحن، وتوتر أسعار المشتقات حتى تظهر الضغوط في البنزين، الكهرباء، النقل، وكلفة السلع. وكلما طال الغموض في الخليج، تضاعفت هشاشة الداخل اللبناني.

ثانيًا، سياسيًا وتفاوضيًا:
يجمع المحللون اللبنانيون على نقطة مركزية: لبنان ليس حاضرًا في التفاوض كدولة بوزن واضح، بل كـ ورقة ملتبسة بين الدولة وحزب الله وبين الإقليم والداخل. في هذه القراءة، حاولت إسرائيل فصل لبنان عن المسار الإقليمي الأوسع، فيما بقيت طهران تنظر إلى الورقة اللبنانية كجزء من نفوذها التفاوضي. المشكلة هنا ليست فقط في الموقف الأميركي أو الإسرائيلي، بل في ضعف الموقف اللبناني نفسه: غياب رؤية وطنية موحدة، تضارب بين الدولة وحزب الله، وافتقار إلى أوراق قوة تفاوضية حقيقية.

ثالثًا، أمنيًا:
إذا صح أن إسرائيل تريد تحييد لبنان عن الطاولة الإقليمية لتعيده إلى تفاوض ثنائي يميل ميزان القوى فيه لمصلحتها، فهذا يعني أن الجنوب سيبقى عرضة للاستنزاف، حتى لو تقدمت التفاهمات في ملفات أخرى. وهذه الفكرة تكتسب وزنًا إضافيًا مع ما عرضته لوموند عن الليطاني: الجنوب اللبناني ليس في الذهنية الإسرائيلية مجرد جبهة مؤقتة، بل خط أمني قديم ومتكرر يعود كلما تعقدت الحرب.

رابعًا، على مستوى الدولة:
الخلاصة التي تفرض نفسها من كل هذه القراءات أن الاتكال على حلول خارجية من دون معالجة الخلل الداخلي لم يعد كافيًا. إذا بقي لبنان يتعامل مع الحرب بمنطق الانتظار، فسيظل موضوعًا على الطاولة بصفته مشكلة أمنية للآخرين لا دولة تصوغ موقعها بنفسها.

ما الذي يجب رصده

  1. هل يتحول هرمز إلى أزمة إدارة طويلة أم إلى انفجار جديد؟
    إذا استمر المرور الجزئي والتهديدات المتبادلة، فالأثر الاقتصادي سيبقى قائمًا حتى من دون معركة بحرية كبرى. وإذا اتجهت واشنطن إلى حصار أوسع أو تطهير بالقوة، فالكلفة سترتفع فورًا على الطاقة والشحن.
  2. ما هو الدور الصيني المقبل؟
    السؤال لم يعد هل يهم الصين ما يجري، بل كيف ستتحرك: دبلوماسيًا، نفطيًا، وماليًا، لحماية مصالحها من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. هذه العقدة ستحدد جزءًا من شكل التوازن الدولي المقبل.
  3. هل يبقى لبنان ورقة ملحقة أم يبني موقفًا وطنيًا مستقلًا؟
    هذا هو السؤال اللبناني الحقيقي. لأن أي تفاوض خارجي، مهما اتسع، لن يمنح لبنان وزنًا تلقائيًا إذا بقي الداخل مفككًا والرؤية غائبة.

الصورة في الخليج اليوم ليست صورة “فشل مفاوضات” فقط، بل صورة صراع على النظام الذي سيخرج من الحرب: إيران تريد تثبيت هرمز كورقة نفوذ، واشنطن تريد منع تحويله إلى مصدر قوة سياسية ومالية لطهران، الصين تريد حماية شريانها النفطي واستثمار استنزاف الأميركيين، وأوروبا بدأت تشعر بأن الكلفة تصل إلى مطاراتها واقتصادها اليومي. وبين هذه القوى كلها، يقف لبنان في موقع شديد الهشاشة: ليس في قلب قرار الخليج، لكنه قريب جدًا من ارتداداته، وأضعف من أن يحتملها من دون كلفة عالية.

 

 

 

نشرة يومية صادرة عن التحالف الوطني اللبناني (LNA)، ترصد أبرز التطورات في لبنان والمنطقة، وتضعها في سياقها السياسي والإنساني، مع تركيز مباشر على ما تعنيه للبنان ولحياة اللبنانيين.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain