الشرق الأوسط في مرحلة إعادة تشكيل: حرب بلا حسم ولبنان في قلب المواجهة

تشير المعطيات المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن الحرب الدائرة في المنطقة لم تعد مواجهة تقليدية ذات أهداف محددة وزمن قصير، بل تحوّلت إلى عملية إعادة تشكيل عميقة للتوازنات الإقليمية، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية في آن واحد.

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب بأهداف متقاطعة تتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والحد من برنامجها النووي، إلا أن هذا التلاقي يخفي تباينًا متزايدًا في الرؤية الاستراتيجية، حيث تنظر إسرائيل إلى الحرب كفرصة لإحداث تغيير جذري في ميزان القوى وربما إضعاف النظام الإيراني إلى أقصى حد ممكن، في حين تميل الولايات المتحدة إلى احتواء الصراع ضمن سقف زمني وكلفة محددين، تفاديًا للانزلاق إلى حرب طويلة ذات تداعيات عالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على مسار العمليات وعلى احتمالات إنهاء الحرب.

رغم الحديث عن إنجازات عسكرية، تكشف التقديرات الاستخباراتية أن النتائج لا ترقى إلى مستوى الحسم، إذ تم تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية فقط بشكل مؤكد، فيما يبقى جزء كبير من القدرات قائمًا أو قابلًا للاستعادة، خاصة مع وجود بنية تحتية محصّنة في منشآت وأنفاق تحت الأرض، ما يعني أن ما تحقق هو إضعاف ملموس دون إنهاء فعلي للتهديد.

التجربة الحالية تؤكد مرة جديدة حدود القوة الجوية، فهي قادرة على التدمير والتعطيل، لكنها غير كافية لإسقاط أنظمة سياسية أو القضاء الكامل على القدرات الاستراتيجية، كما أن بقاء نسبة صغيرة من الصواريخ يكفي للحفاظ على قدرة ردع مؤثرة، خصوصًا في بيئة حساسة مثل الخليج ومضيق هرمز، حيث يمكن لأي ضربة محدودة أن تخلّ بتوازنات واسعة.

في هذا السياق، يتغير مفهوم النصر نفسه، فلم يعد الهدف إسقاط النظام الإيراني أو القضاء الكامل على قدراته، بل بات يتمثل في خفض مستوى التهديد إلى حد يمكن احتواؤه وإدارته على المدى الطويل، وهو ما يفسّر غياب نقطة نهاية واضحة للحرب وتحولها إلى مسار مفتوح زمنيًا.

على المستوى الداخلي الإيراني، لا تظهر مؤشرات على انهيار النظام، بل على العكس، هناك دلائل على تماسك أمني واضح، وتعاظم دور الحرس الثوري، وتراجع نسبي لدور المؤسسة الدينية التقليدية، ما يشير إلى أن إيران لا تنهار تحت الضغط، بل تعيد تشكيل نظامها الداخلي ضمن معادلات جديدة.

في الوقت نفسه، لم تعد تداعيات الحرب محصورة في الميدان العسكري، إذ دخل الاقتصاد العالمي مباشرة في دائرة التأثر، مع قرار وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن 400 مليون برميل من النفط، في خطوة تعكس مخاوف جدية من تعطّل الإمدادات وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، واحتمال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، ما يؤكد أن الحرب باتت تمس استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

على الجانب الإسرائيلي، يظهر توازن معقّد بين التفوق العسكري والضغط البشري المتزايد، حيث تواجه المؤسسة العسكرية تحديات تتعلق بإنهاك قوات الاحتياط نتيجة تعدد الجبهات واستمرار العمليات، في ظل تحذيرات داخلية من كلفة الاستنزاف طويل الأمد، ورغم ذلك، يستمر التصعيد وتتوسع العمليات، ما يعكس إصرارًا سياسيًا يتجاوز الحسابات التكتيكية المباشرة.

أما لبنان، فقد خرج فعليًا من موقع الهامش إلى موقع المركز في هذا الصراع، إذ لم يعد مجرد امتداد للحرب مع إيران، بل أصبح جبهة قائمة بذاتها ضمن استراتيجية إسرائيلية مستقلة، يتم التعامل معها خارج أي مسار تفاوضي، مع هدف واضح يتمثل في إضعاف حزب الله بشكل جذري، وضمن مسار تصعيد تدريجي مرشح لأن يكون طويل الأمد، في ظل غياب مؤشرات جدية على التهدئة. غير أن المعطيات الإسرائيلية نفسها تشير إلى أن الحسم في هذه الجبهة ليس عسكريًا صرفًا، إذ يقرّ الجيش الإسرائيلي بأن الضغط العسكري وحده لن يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله، وأن ذلك يحتاج إلى مسار سياسي موازٍ وإلى دور فعلي للدولة اللبنانية في فرض وقائع جديدة على الأرض، وهو ما يعزز التقدير بأن الحرب على لبنان، حتى لو تصاعدت، ستبقى محكومة بسقف سياسي لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها، ما يجعلها بطبيعتها حربًا طويلة.

بالتوازي، كشفت الحرب حدود منظومات الأمن التقليدية في الخليج، خاصة أمام تهديدات منخفضة الكلفة مثل الطائرات المسيّرة، ما يدفع دول المنطقة إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية، عبر تعزيز القدرات الذاتية، وتطوير التكامل الإقليمي، وتنويع الشراكات الدولية.

في المحصلة، ما نشهده ليس حربًا تقليدية تسير نحو نهاية واضحة، بل صراع طويل الأمد يعيد تعريف مفهوم الردع، وينقل المواجهة من الحسم إلى إدارة التهديد، حيث لم تُهزم إيران لكنها أُضعفت، ولم تحسم إسرائيل لكنها تفرض وقائع تدريجية، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط المسار دون الانخراط الكامل.

في هذا السياق، يقف لبنان في موقع بالغ الحساسية، ليس خارج الصراع بل في قلب معادلاته، ومع غياب أي تسوية قريبة، يبدو المسار مفتوحًا على استمرار التصعيد وارتفاع الكلفة الاقتصادية والأمنية، ما يضع البلاد أمام تحدٍ استراتيجي حاسم بين تثبيت موقعها كدولة ذات سيادة، أو الاستمرار كساحة ضمن صراعات الآخرين.

المرحلة الحالية لا تقود إلى نصر سريع أو تسوية قريبة، بل إلى واقع جديد عنوانه صراع طويل يعيد تشكيل المنطقة بأكملها، حيث تكشف الجبهتان الإيرانية واللبنانية معًا أن المشكلة لم تعد في القدرة على الضرب، بل في محدودية القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain