تحديث سياسي | المنطقة تغيّر سلاحها: من حرب الجبهات إلى حرب المال والممرات والنفوذ

المنطقة تدخل مرحلة «التفاوض بالقوة»: هرمز والمال وغزة بدلاً من الجبهات المفتوحة

تتراجع في المشهد الإقليمي مؤشرات الذهاب الفوري إلى حرب واسعة جديدة، لكن ذلك لا يعني اقتراب التسويات. ما يحدث أقرب إلى إعادة توزيع أدوات الضغط: إيران تستخدم مضيق هرمز، واشنطن تستخدم العقوبات والحصار الاقتصادي، إسرائيل تنقل المعركة ضد حزب الله إلى بنيته المالية، فيما تتحول غزة مجدداً إلى نقطة احتكاك بين إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو.

الخلاصة الأساسية: المنطقة لم تدخل مرحلة سلام، بل مرحلة مساومة عالية المخاطر، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه قبل التسوية.

 

إيران: هرمز يتحول من ممر بحري إلى ورقة تفاوض استراتيجية

أهم تطور ليس تغيير الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بحد ذاته، بل توقيت التغيير.

تعيين محسن رضائي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر يأتي فيما تتفاوض طهران وواشنطن بصورة غير مباشرة حول إعادة فتح مضيق هرمز. الرجلان من البيئة المتشددة ومن خلفية الحرس الثوري، ولذلك لا تظهر الأخبار المرفقة انتقالاً إيرانياً نحو الاعتدال، بل على العكس: إدارة التفاوض من داخل المؤسسة الأمنية الصلبة.

في الوقت نفسه، أبلغ دونالد ترامب «أكسيوس» أن الولايات المتحدة تتعامل مع إيران «بهدوء»، رغم أن طهران أضافت مطالب جديدة مرتبطة بالمرور في المضيق.

هذه نقطة مهمة.

قبل فترة قصيرة كان احتمال العودة إلى عمليات عسكرية أميركية واسعة قائماً؛ أما الآن فتبدو واشنطن مستعدة لاختبار الضغط الاقتصادي والتفاوضي قبل اللجوء مجدداً إلى القوة.

ما الذي تريده إيران؟

بحسب المادة المنشورة في «نيويورك تايمز»، أصبح مضيق هرمز أهم أوراق طهران للحصول على:

* الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
* تخفيف أو رفع عقوبات اقتصادية.
* إنهاء الحصار البحري.
* تحسين شروط التفاهم مع واشنطن.

إيران، إذاً، لا تتعامل مع المضيق كملف ملاحة فقط، بل كـرهينة استراتيجية مرتبطة بمجمل العلاقة مع الولايات المتحدة.

ومن هنا يمكن فهم صعوبة الاتفاق الذي تحدثت عنه «إسرائيل هيوم»: واشنطن تريد مروراً غير مقيد، فيما تريد إيران مقابلاً سياسياً واقتصادياً أوسع.

الدلالة

المواجهة الأميركية ـ الإيرانية بدأت تنتقل من سؤال:

من يربح الحرب؟

إلى سؤال مختلف:

كم سيدفع الطرف الآخر مقابل وقفها؟

 

الداخل الإيراني: النظام يتشدد فيما المجتمع يدفع فاتورة الحرب

وراء التفاوض الخارجي تظهر أزمة مختلفة داخل إيران.

التقارير عن الإعدامات والقمع والصدمة النفسية والانقسام المجتمعي تشير إلى أن آثار الحرب لم تبق عسكرية أو اقتصادية. هناك مجتمع تعرض خلال فترة قصيرة للحرب والاحتجاجات والقمع والنزوح والخوف من الإعدامات.

وتصف «التايمز» شعوراً لدى بعض الإيرانيين بأن الغرب تخلى عنهم بعد الاحتجاجات.

في المقابل، تكشف حادثة اختطاف وتعذيب وقتل أحد عناصر الباسيج، والاتهامات الموجهة إلى جهات معارضة في الخارج، عن انتقال الصراع السياسي الإيراني في بعض الحالات إلى عنف داخلي وأمني أكثر خطورة.

هذا يعني أن القيادة الإيرانية تفاوض الخارج وهي مضطرة في الوقت نفسه إلى ضبط الداخل.

وهذه معادلة قد تجعلها أكثر تشدداً في ملفات السيادة والأمن، لا أقل تشدداً.

 

غزة: المشكلة لم تعد فقط بين إسرائيل وحماس

التناقض بين التقارير حول خطة ترامب لغزة يكشف مأزقاً سياسياً داخل إسرائيل.

بعض المعلومات تشير إلى استعداد نتنياهو لإعطاء الخطة الأميركية فرصة، بينما تؤكد تقارير أخرى أنه يرفض أي انسحاب إسرائيلي قبل نزع سلاح حماس بالكامل.

لكن «هآرتس» تضع القضية في سياقها السياسي الأوسع:

نتنياهو عالق بين ترامب وسموتريتش.

ترامب يريد الانتقال نحو ترتيب يسمح بإعادة تأهيل غزة، بينما يريد الجناح اليميني في الحكومة الإسرائيلية منع أي تنازل يمكن تفسيره كانتصار لحماس.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تصبح قدرة نتنياهو على اتخاذ قرار استراتيجي أكثر تعقيداً.

لذلك قد تصبح سياسة نتنياهو في المرحلة المقبلة:

لا رفض كامل لخطة ترامب،
ولا قبول كامل بها،
بل شراء الوقت.

وهذا يعني أن مستقبل غزة قد يرتبط بصورة متزايدة بالحسابات الداخلية الإسرائيلية، وليس فقط بالمفاوضات مع حماس.

 

لبنان: أخطر تحول هو انتقال الحرب على حزب الله من السلاح إلى الاقتصاد

بالنسبة إلى لبنان، الخبر الأكثر أهمية في المادة المرفقة هو تقرير «نيويورك تايمز» عن استهداف البنية المالية لحزب الله.

فالحملة الإسرائيلية ـ الأميركية لم تعد محصورة بالترسانة العسكرية.

الضربات طالت:

* فروع مؤسسة القرض الحسن.
* محال صرافة مرتبطة بتحويل الأموال الإيرانية.
* منشآت وأنشطة اقتصادية يُعتقد أنها تولد مداخيل للحزب.

والرسالة السياسية هنا واضحة:

المطلوب ليس فقط إضعاف قدرة حزب الله على إطلاق النار، بل إضعاف قدرته على تمويل نفسه وإعادة بناء قوته.

وهذا تحول استراتيجي بالغ الأهمية.

الحركات المسلحة تستطيع أحياناً تعويض خسائر السلاح إذا بقيت لديها:

شبكات مالية،
مؤسسات اجتماعية،
اقتصاد موازٍ،
ومصادر تمويل خارجية.

أما ضرب هذه المنظومة بالتوازي مع البنية العسكرية فيهدف إلى جعل عملية التعافي نفسها أكثر صعوبة.

 

إذا استمر هذا المسار، فإن السؤال اللبناني خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط:

ماذا سيحدث لسلاح حزب الله؟

بل أيضاً:

ماذا سيحدث للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية التي بنيت حول الحزب خلال العقود الماضية؟

وهنا تظهر مشكلة أكبر للدولة اللبنانية.

إذا تقلصت قدرة حزب الله المالية والاجتماعية ولم تكن هناك دولة قادرة على ملء الفراغ بالخدمات والحماية الاقتصادية وإعادة الإعمار، فقد ينشأ فراغ اجتماعي خطير، خصوصاً في الجنوب والبيئات التي تحملت العبء الأكبر للحرب.

لذلك يجب قراءة استهداف مالية الحزب باعتباره ملفاً اجتماعياً وسياسياً لبنانياً أيضاً، وليس مجرد ملف أمني إسرائيلي.

 

سوريا: موسكو لا تغادر… بل تعيد تعريف وجودها

إعلان دمشق التوصل إلى اتفاق مع موسكو بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس يشير إلى تحول في طبيعة الوجود الروسي.

وفق الخبر، ستتحول القاعدتان إلى مراكز لـ«التدريب وبناء القدرات المشتركة».

إذا ثبت هذا الترتيب بالشكل المعلن، فهو يعني أن موسكو تحاول الانتقال من صيغة الوجود العسكري المرتبط بالحرب السورية السابقة إلى علاقة عسكرية مؤسساتية مع الدولة السورية الجديدة.

وهذه نقطة مهمة لأنها توضح أن إعادة ترتيب سوريا لا تعني بالضرورة خروج القوى الدولية منها.

بل قد تعني إعادة التفاوض على شكل وجودها.

 

وفي الجنوب السوري: داعش ما زال عاملاً أمنياً

اعتقال السلطات السورية خلية من تسعة عناصر تابعة لداعش قرب المنطقة المنزوعة السلاح الإسرائيلية يذكّر بأن إعادة بناء الدولة السورية تواجه تهديداً مختلفاً عن الصراع التقليدي بين دمشق وإسرائيل.

وجود خلايا متطرفة في مناطق حساسة أمنياً يمكن أن يقدم مبررات إضافية لتدخلات عسكرية أو ترتيبات أمنية خارجية.

ولذلك سيبقى السؤال المركزي في سوريا:

هل تستطيع الدولة الجديدة احتكار الأمن قبل أن تتحول الفراغات الأمنية إلى مناطق نفوذ للآخرين؟

 

المشهد الأوسع: الشرق الأوسط ينتقل من «حرب النار» إلى «حرب النفوذ»

إذا جمعنا هرمز وغزة ولبنان وسوريا، يظهر اتجاه واحد:

القوى الإقليمية والدولية بدأت تستخدم أدوات أقل مباشرة من الحرب الشاملة ولكنها لا تقل تأثيراً عنها.

إيران تستخدم الجغرافيا البحرية.

واشنطن تستخدم العقوبات والأصول المجمدة والحصار.

إسرائيل تستخدم القوة العسكرية والاستهداف المالي.

ترامب يستخدم التسويات والضغط السياسي.

روسيا تحاول تثبيت وجودها في سوريا عبر ترتيبات جديدة.

والقوى المحلية تحاول الحفاظ على أوراقها قبل الدخول في أي تسويات نهائية.

 

لبنان أمام نافذة ضيقة

بالنسبة إلى لبنان، الخطر هو أن تنتظر الدولة نتائج الصراع الإقليمي بدلاً من الاستعداد لها.

إذا كانت إيران تتفاوض على مستقبل علاقتها مع الولايات المتحدة، وإذا كانت البنية المالية لحزب الله أصبحت هدفاً مباشراً، وإذا كانت سوريا تعيد بناء علاقاتها الإقليمية والدولية، فإن البيئة التي حكمت لبنان خلال السنوات الماضية تتغير بسرعة.

وهنا يصبح السؤال اللبناني الحقيقي:

من سيملأ المساحات التي تتراجع منها القوى الإقليمية أو التنظيمات المسلحة؟

إذا لم تفعل الدولة ذلك، فسوف تملأها قوى أخرى.

ولهذا فإن الأولوية اللبنانية في المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على النقاش حول السلاح، بل أن تشمل:

إعادة بناء سلطة الدولة،
وحماية الجنوب،
وإعادة الإعمار،
وبناء بدائل اقتصادية واجتماعية،
واستعادة النظام المالي الرسمي،
وإعادة ربط المواطنين بالدولة بدلاً من الشبكات الموازية.

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain

التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد التحالف الوطني اللبناني: تحويل الإحباط اللبناني إلى قوة وطنية منظمة، وإعداد جيل جديد لا يكتفي بالاعتراض على الانهيار، بل يستعد لتحمّل مسؤولية القيادة وبناء الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول استعادة ودائع اللبنانيين ومواجهة منظومة النهب المصرفية ـ السياسية: التصعيد خيارنا | دبابات العدو تعبر الليطاني ومعركة النبطية تقترب | التحالف الوطني اللبناني يطلق مبادرته التربوية من أجل مجتمع متعاف وموحد |