في واحدة من أكثر المقاربات الرسمية وضوحاً منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، قدّم حاكم مصرف لبنان كريم سعيد عرضاً مفصلاً أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تناول فيه أسباب الانهيار المالي، والجهات المسؤولة عنه، وخطة التعافي المقترحة، وآلية استعادة أموال المودعين، إضافة إلى ملف مكافحة الفساد والاقتصاد الموازي.
وأكد سعيد أن المودعين هم ضحايا الأزمة وليسوا مسؤولين عنها، مشدداً على أن مصرف لبنان لن يؤيد أي خطة تحملهم العبء الأكبر للخسائر.
أولاً: ما طبيعة الأزمة المالية في لبنان؟
اعتبر حاكم مصرف لبنان أن ما شهده لبنان ليس أزمة مصرفية عادية أو تعثر مصرف واحد، بل «أزمة نظامية شاملة» أصابت الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي في آن واحد.
وأشار إلى أن الأزمة نتجت عن تزامن عدة عوامل خطيرة، أبرزها:
- خسائر مصرفية تقارب 80 مليار دولار.
- تخلف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز عام 2020.
- انهيار سعر صرف الليرة بأكثر من 98%.
- غياب أي خطة إصلاح أو إعادة هيكلة طوال ست سنوات.
- تداعيات الحروب والأزمات الأمنية المتلاحقة.
وأوضح أن النموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية قام على استقطاب الودائع ثم إعادة تدويرها لتمويل عجز الدولة، وهو نموذج كان يعتمد بالكامل على استمرار تدفق الأموال الجديدة. وعندما فقد اللبنانيون والمستثمرون الثقة بالنظام عام 2019 انهار النموذج بأكمله.
ثانياً: من يتحمل مسؤولية الانهيار؟
رفض سعيد تحميل طرف واحد كامل المسؤولية، مؤكداً أن الأزمة نتجت عن تراكم أخطاء عدة جهات.
وبحسب عرضه:
الدولة اللبنانية
تتحمل المسؤولية الأساسية بسبب السياسات المالية المزمنة والعجز المستمر والاستدانة المفرطة.
مصرف لبنان
يتحمل مسؤولية كبيرة نتيجة إخفاقه في أداء دوره الرقابي والاحترازي والسماح بتراكم المخاطر المالية.
المصارف التجارية
تتحمل بدورها جزءاً مهماً من المسؤولية بعدما استفادت من النموذج القائم وحققت أرباحاً مرتفعة رغم المخاطر المتزايدة.
المودعون
أكد سعيد بشكل واضح أن المودعين لا يتحملون أي مسؤولية مباشرة عن الانهيار، بل هم الطرف الأكثر تضرراً والأقل مسؤولية.
وقال إن العدالة تقتضي توزيع الخسائر على الأطراف المسؤولة لا تحميلها للناس الذين وضعوا مدخراتهم في النظام المالي.
ثالثاً: لماذا تختلف الأزمة اللبنانية عن الأزمات العالمية؟
قارن سعيد بين الأزمة اللبنانية وتجارب دولية مثل قبرص وآيسلندا واليونان.
وأوضح أن معظم الأزمات العالمية بدأت نتيجة أخطاء القطاع المصرفي الخاص، بينما بدأت الأزمة اللبنانية من القطاع العام نفسه.
فالدولة اللبنانية كانت المحرك الأساسي للاستدانة، بينما قام مصرف لبنان بدور الوسيط، وساهمت المصارف التجارية في تمويل هذا النموذج والاستفادة منه.
لذلك يرى أن الأزمة اللبنانية لا تشبه أي تجربة أخرى، وأن الحلول المستوردة بالكامل لن تكون كافية لمعالجتها.
رابعاً: كيف يمكن استعادة أموال المودعين؟
وضع الحاكم استعادة الودائع في قلب خطة التعافي، مؤكداً أنها «ركيزة غير قابلة للتفاوض».
وتتضمن الخطة:
حماية صغار ومتوسطي المودعين
إعطاء الأولوية لهم في أي عملية استرداد للودائع.
توزيع عادل للخسائر
بحيث لا يتحمل المودعون العبء الرئيسي للانهيار.
تسييل أصول مصرف لبنان
أعلن سعيد أن مصرف لبنان سيعمل على بيع وتسييل الأصول التي يملك حق التصرف بها، بما يشمل:
- حصصه في الشركات.
- جزءاً كبيراً من محفظته العقارية.
- الأوراق المالية التي يملكها.
- سندات اليوروبوندز.
- الديون المستحقة له على الدولة.
وأكد أن الهدف هو استخدام هذه الموارد للمساهمة في رد حقوق المودعين.
خامساً: إعادة هيكلة المصارف والدين العام
شرح الحاكم أن التعافي يتطلب معالجة القطاع المصرفي والدين السيادي في الوقت نفسه.
إعادة هيكلة المصارف
تقضي الخطة بتصنيف المصارف إلى:
- مصارف قابلة للاستمرار وإعادة الرسملة.
- مصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة.
- مصارف يجب تصفيتها أو دمجها.
إعادة هيكلة الدين العام
تتطلب معالجة تعثر الدولة في سداد ديونها والتوصل إلى تسوية تسمح للبنان باستعادة ثقة المستثمرين والأسواق المالية الدولية.
سادساً: الإصلاح المالي شرط أساسي للتعافي
شدد سعيد على أن أي إصلاح مصرفي لن ينجح إذا استمرت الدولة في إنتاج العجز المالي نفسه.
ودعا إلى:
- إصلاح المؤسسات العامة.
- تحسين الجباية والإيرادات.
- ضبط الإنفاق العام.
- ترشيد كتلة الأجور.
- إنهاء الدعم السياسي غير المنتج.
وأضاف أن مصرف لبنان لا يستطيع وحده صناعة الاستقرار المالي إذا لم تترافق جهوده مع إصلاحات حكومية حقيقية.
سابعاً: متى يبدأ التعافي؟
قدم الحاكم جدولاً زمنياً يمتد بين عامي 2026 و2030.
2026 – 2027
مرحلة الاستقرار الأولي:
- استكمال التدقيقات.
- إقرار القوانين المطلوبة.
- بدء تصنيف المصارف.
- إطلاق برنامج مع صندوق النقد.
- بدء إعادة جزء من أموال صغار المودعين.
2027 – 2028
مرحلة إعادة الهيكلة:
- معالجة أوضاع المصارف.
- إعادة هيكلة الدين العام.
- تحسين المؤشرات المالية.
- تخفيف القيود على حركة الرساميل.
2028 – 2030
مرحلة العودة التدريجية إلى الوضع الطبيعي:
- استعادة وظيفة التسليف.
- العودة إلى الأسواق المالية.
- توسيع عمليات رد الودائع.
- بناء إطار نقدي أكثر استقراراً.
ثامناً: الاقتصاد الموازي واللائحة الرمادية
حذر سعيد من أن الاقتصاد الموازي وتبييض الأموال يشكلان خطراً مباشراً على مستقبل النظام المالي اللبناني.
وأكد أن وجود لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) يضر بسمعة البلاد ويرفع كلفة التعاملات المالية ويحد من قدرة المصارف اللبنانية على العمل دولياً.
وأشار إلى أن مصرف لبنان بدأ سلسلة إجراءات لتعزيز الرقابة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف إخراج لبنان من اللائحة الرمادية واستعادة الثقة الدولية.
تاسعاً: أموال الفساد واسترداد الأموال المنهوبة
خصص الحاكم جزءاً مهماً من كلمته لملف الفساد.
وأكد أن مليارات الدولارات غادرت لبنان خلال السنوات التي سبقت الانهيار ورافقته، وأن جزءاً من هذه الأموال قد يكون خرج بصورة غير مشروعة.
وأشار إلى أن مصرف لبنان يتعاون مع القضاء اللبناني والسلطات القضائية في عدد من الدول الأوروبية لملاحقة الأموال المحولة إلى الخارج.
وشدد على أن أي أموال يتم استردادها يجب أن تعود للمودعين، لا أن تتحول إلى مصدر تمويل جديد للدولة.