عيد التهديد والوعيد والتشريد

 

سليم يونس

يأتي العيد في هذا العام، متخففا من ملابسه الجديدة، ومختفيا داخل “ثوب رث” يكاد لا يعرفه أقرب الناس إليه.. وهو يبدو بهيئة جندي قد هده الجوع والتعب والمرض بعد فترة إنهاك طويلة، خسر فيها لحمه، وبقيت عظامه الناتئة شاهدة حية على ما تعرض له جسده وعقله من اختبارات قاسية أوصلته إلى حافة الموت وتركته ينجو بنفسه في اللحظات الأخيرة.
يقول دوستويفسكي على لسان إحدى شخصيات روايته الفقراء:
إن الأعياد ليست لأمثالي.. ماذا عساه أن يفعل إنسان مثلي في يوم كهذا، إن أقصى ما يتمناه أمثالي هو ألا تسوء أحوالهم إلى الحد الذي يفقدون فيه القدرة على عيش حياة كريمة ومستقلة، ودون أن يحتاجوا إلى طلب المساعدة من الآخرين واستجداء عاطفتهم.
هذا العيد الذي أتى كطفل غير مرغوب فيه، بعد أن استسلم والديه أمام لحظة تخلي، وانجرفا وراء متعة لحظية، ولذة عابرة أنتجت كائنا ليس لديه أي فرصة ليعيش حياة طبيعية. هكذا تبدو الأمور التي تأتي في غير أوانها وفي ظروف غير ملائمة.
أنظر في عيون الأطفال فأرى أرانب حزنهم تقفز من مقليتهم وهي مبللة بمرارة الخيبة.. وهم الذين كانوا يحلمون بتناول أطايب الطعام والحلوى والذهاب إلى مدينة الملاهي وإشعال المفرقعات وإطلاق صرخات الفرح والدنيا (مش سايعتهم). الآن يقبع هؤلاء الأطفال داخل مدارس ليست مدارسهم التي اعتادوا الذهاب إليها كل صباح (كطلاب) وإنما الآن يحضرون بصفتهم مهجرين تركوا بيوتهم على عجل في ليلة مظلمة باردة.. بعد أن أنذرهم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بضرورة المغادرة الفورية!!!
فلنتخيل مشهد الرعب الذي ألم بهؤلاء الصغار الذين لا يفقهون شيئا عن لعبة الكبار (الخطيرة والمميتة). ولا يدرون لماذا يتعرضون لكل هذا الكم من الخوف والتشتت والهروب الجماعي؟! كي لا يقطف الموت زهرة طفولتهم وبرحمته من أجمل أيام حياتهم… فهم الذين تحولوا إلى فقراء مشردين في الشوارع يتلقون الأمطار والعواصف البردية العاتية ولا يذوقون طعم النوم والراحة بعد أن كانوا ينعمون بدفء بيوتهم ويتهمون على أسرتهم معززين مكرمين.
باتوا الآن يستجدون الفرش والحرامات والمعلبات والمساعدات المادية، ويفرحون ببعض المبادرات التي قدم أصحابها الألعاب لهم ليخففوا عنهم القليل من ألمهم.

كل عيد وأنتم بخير، تقال لمن يعيش حياة هانئة، وليس لم يفترش الإسفلت ويلوك الصبر بأضراس نخرها سوس جوعه والتهم كل مخزون سعادته ونقله إلى ضفة مختلفة مع ما يلوح في الأفق من مصير مجهول ومفتوح على كل الاحتمالات.

اللوحة للفنانة خولة طفيلي *

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain