دولة الرئيس، حضرة الوزيرة: أين الشفافية والمحاسبة؟
موقف التحالف الوطني اللبناني – LNA | تشرين الأول 2026
وزيرة التربية أمام أسئلة لا يجوز التهرّب منها
مع بداية العام الدراسي، يعود ملف التعليم الرسمي في لبنان إلى الواجهة، ومعه تتجدّد معاناة الأساتذة والتلامذة والأهالي. وقد أشارت صحيفة «النهار» في 17 أيلول 2026 إلى عدم تجديد عقود نحو 3500 أستاذ من الأساتذة المستعان بهم مع بداية العام الدراسي، في إطار ملف أوسع يتصل بالتعاقد والاحتياجات التعليمية.
وأمام هذا الواقع، لا بدّ من طرح أسئلة واضحة على وزيرة التربية والتعليم العالي، الدكتورة ريما كرامي، وعلى رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام، وعلى الحكومة مجتمعة: من يتحمّل مسؤولية ما وصل إليه التعليم الرسمي؟ ومن يحاسب عندما يصبح مصير الأساتذة المهني والمعيشي معلّقًا، ويصبح حق التلامذة في التعليم رهينة التأخير والقرارات الإدارية والاعتمادات المالية؟
لسنا أمام تفصيل إداري عابر، بل أمام قضية تمسّ مستقبل جيل كامل، وحق المواطنين في تعليم رسمي لائق، ومسؤولية الدولة عن حماية هذا الحق.
أولًا: وزيرة التربية أمام مسؤولية لا يجوز اختزالها بالتبريرات
قدّمت وزارة التربية تفسيرات مرتبطة باستكمال الأعداد النهائية للتلامذة المسجّلين، وبالتغيّرات التي طرأت على توزّعهم، ومنها النزوح، لتبرير الإجراءات الإدارية المتخذة في ملف الأساتذة المستعان بهم.
لكن، حتى لو كانت هذه التحديات حقيقية، فإن السؤال الأساسي يبقى: هل يجوز أن تتحوّل الصعوبات الإدارية، أو تأخّر استكمال البيانات، إلى سبب لتعليق مصير آلاف الأساتذة وترك المدارس والتلامذة أمام المجهول؟
إن مسؤولية الوزارة لا تقتصر على تفسير ما حدث بعد وقوعه، بل تشمل الاستعداد المسبق، ووضع الخطط البديلة، وتقدير الاحتياجات، والتنسيق مع إدارات المدارس، وتأمين الموارد البشرية اللازمة قبل انطلاق العام الدراسي.
وإذا كانت الأوضاع الاستثنائية في لبنان قد فرضت تغيّرات في أعداد التلامذة وتوزّعهم الجغرافي، فإن ذلك يجعل التخطيط المسبق أكثر ضرورة، لا أقلّ ضرورة.
من حقّ الأساتذة أن يعرفوا مصيرهم، ومن حقّ التلامذة أن يبدأوا عامهم الدراسي بانتظام، ومن حقّ الأهالي أن يطمئنّوا إلى أن أبناءهم لن يدفعوا ثمن ضعف التخطيط أو تأخّر القرارات.
فهل قامت الوزارة بكل ما يلزم لتجنّب هذه الأزمة؟ وإذا كانت قد قامت بذلك، فأين النتائج؟ وإذا لم تقم به، فمن يتحمّل المسؤولية؟
ثانيًا: كان بالإمكان الاستعداد مسبقًا عبر التسجيل الإلكتروني والتواصل مع الأهالي
لا ندّعي أن هناك حلًا واحدًا قادرًا على معالجة جميع مشكلات التعليم الرسمي، لكن كان بالإمكان اعتماد خطوات عملية تساعد على الحدّ من الارتباك والتأخير.
كان يمكن للوزارة، قبل بدء العام الدراسي بوقت كافٍ، إطلاق حملات إعلامية وإعلانية تدعو الأهالي إلى تسجيل أبنائهم إلكترونيًا بصورة مبكرة، ولا سيّما في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، بما فيها النزوح والتغيّرات السكانية.
وكان يمكن أن تترافق هذه الخطوة مع توضيح آلية التسجيل، وتحديد المدارس المتاحة، وفتح قنوات تواصل لتلقّي استفسارات الأهالي ورصد العوائق التي تحول دون تسجيل أبنائهم، والعمل على معالجتها قبل تفاقمها.
وعند فتح التسجيل الرسمي، كان يمكن إطلاق حملات إضافية تدعو الأهالي إلى الالتزام بالمواعيد المحددة، بما يتيح للوزارة تكوين صورة أولية مبكرة عن أعداد التلامذة وتوزّعهم الجغرافي، وتقدير حاجات المدارس إلى الأساتذة والموظفين والموارد.
إن هذه الخطوات لا تضمن حلّ كل المشكلات، لكنها تساعد على تحسين التخطيط، وتخفيف المفاجآت، واتخاذ القرارات على أساس بيانات أوضح بدلًا من الانتظار حتى اللحظة الأخيرة.
فلماذا لا تكون إدارة التعليم الرسمي قائمة على التخطيط الاستباقي والبيانات الدقيقة، بدلًا من معالجة الأزمات بعد وقوعها؟
ثالثًا: التعليم حق أساسي، وليس بندًا يُموَّل إذا بقيت أموال
لا يجوز اختزال أزمة التعليم الرسمي بعبارة «لا توجد اعتمادات كافية»، وكأن تأمين التعليم مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى حين توافر المال.
التعليم حق أساسي، والتعليم الأساسي المجاني والإلزامي في المدارس الرسمية محميّ ضمن الأطر القانونية المعمول بها. ومسؤولية الدولة لا تقتصر على الاعتراف بهذا الحق، بل تشمل اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين شروط ممارسته فعليًا.
إذا كانت الاعتمادات غير كافية، فالمطلوب هو مراجعة الأولويات، وتحديد الاحتياجات، وتأمين التمويل، والبحث عن الموارد المتاحة، ومصارحة اللبنانيين بالأرقام والخطط والمهل الزمنية.
أما أن يبقى الأساتذة في حالة من عدم اليقين، وأن يخسر التلامذة أيامًا وفرصًا تعليمية، ثم يُطلب من الجميع تفهّم العجز المالي والإداري، فهذا لا يشكّل سياسة تربوية مقبولة.
إن الدولة التي لا تستطيع تأمين انتظام التعليم الرسمي تضع الأسر أمام خيارات قاسية، وتدفع قسمًا منها إلى تحمّل أعباء المدارس الخاصة، فيما تعجز أسر أخرى عن تحمّل هذه الكلفة أصلًا.
فهل أصبح حق التلميذ في التعليم مرتبطًا بقدرة عائلته على الدفع، بدلًا من أن يكون حقًا تكفله الدولة؟
رابعًا: إلى رئيس الحكومة نواف سلام — كيف تتوافر الأموال لزيادة رواتب النواب والوزراء، ولا تتوافر لتأمين التعليم؟
إن مسؤولية معالجة أزمة التعليم الرسمي لا تقع على عاتق وزيرة التربية وحدها، بل تشمل رئيس الحكومة والحكومة مجتمعة، لأن تحديد أولويات الإنفاق العام وتأمين الاعتمادات اللازمة مسؤولية حكومية.
أكدت النائبة غادة أيوب، في حديث متلفز، أن النواب قبضوا الزيادة على رواتبهم اعتبارًا من مطلع عام 2026.
وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: كيف تتوافر الاعتمادات اللازمة لزيادة رواتب النواب والوزراء، فيما يعجز البلد عن تأمين الاستقرار الوظيفي للأساتذة وانتظام التعليم الرسمي؟
لا يتعلّق الأمر بالمقارنة بين قيمة راتب وآخر فحسب، بل بمبدأ ترتيب الأولويات العامة. فمن الطبيعي أن تُطرح مسألة زيادة رواتب المسؤولين السياسيين للنقاش والمراجعة، ولا سيّما في بلد يعاني أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، فيما يتطلّب التعليم الرسمي تمويلًا مستدامًا وتخطيطًا واضحًا.
إن رئيس الحكومة معنيّ مباشرة بالإجابة عن هذه الأسئلة: ما الأولويات التي اعتمدتها الحكومة؟ وكيف جرى تحديدها؟ وما الذي يمنع تأمين التمويل الضروري للمدارس الرسمية والأساتذة والتلامذة؟
لا يكفي أن تتوزّع المسؤوليات بين الوزارات والإدارات، ولا أن تُحال المشكلات إلى نقص الاعتمادات. المطلوب موقف حكومي واضح وخطة قابلة للتنفيذ ومحاسبة على النتائج.
فأين رئيس الحكومة من هذه الأزمة؟ وما الإجراءات التي اتخذها لضمان ألا يكون التعليم الرسمي آخر أولويات الإنفاق العام؟
خامسًا: الرواتب التقاعدية لرؤساء الطوائف الروحية — من يتحمّل الكلفة، وأين الشفافية والمحاسبة؟
في الوقت الذي يعاني فيه التعليم الرسمي نقصًا في الموارد واضطرابًا في أوضاع الأساتذة، يُطرح أيضًا مشروع لمنح رواتب تقاعدية لرؤساء أربع طوائف إسلامية: السنّة والشيعة والدروز والعلويين.
وقد أُقرّ المشروع في مجلس الوزراء وأُحيل إلى مجلس النواب، وفق ما نشرته وسائل إعلام لبنانية في تشرين الأول 2026. وهو مشروع قيد المسار التشريعي، وليس قانونًا نافذًا لمجرّد إقراره في مجلس الوزراء.
إن طرح هذا المشروع يستدعي أسئلة جدّية تتعلّق بالإنفاق العام، ومصدر التمويل، ومعايير الاستحقاق، والجهة التي ستتحمّل الكلفة، وعدد المستفيدين، ومدى توافق هذه الأولويات مع حاجات المواطنين الأساسية.
ولا يتعلّق السؤال بمكانة القيادات الروحية أو باحترام الطوائف ومؤسساتها، بل بمبدأ واضح: عندما تكون هناك مطالبات بتأمين حقوق اجتماعية ومعيشية وتعليمية، يصبح من حق المواطنين معرفة كيفية توزيع الأموال العامة، وما إذا كانت هذه الأولويات تخدم المصلحة العامة بصورة عادلة.
ثم إن رؤساء الطوائف الروحية غالبًا ما يستمرّون في مواقعهم حتى الوفاة. وإذا أُقرّت لهم رواتب تقاعدية، فمن المستفيد من هذه الاستحقاقات بعد وفاة أصحابها؟ وما الأحكام القانونية التي ستنظّم ذلك؟ وهل دُرست الكلفة المالية للمشروع على المدى الطويل؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني افتراض وجود مخالفة، بل المطالبة بتوضيح قانوني ومالي مسبق، قبل إقرار أي التزام جديد على المال العام.
كذلك، من حق اللبنانيين أن يعرفوا حجم المخصّصات والمساعدات والإعفاءات التي تستفيد منها المؤسسات والمجالس الدينية، ضمن الأطر القانونية، وكيفية إدارتها والرقابة عليها، وما إذا كانت هناك آليات شفافة للمحاسبة والإفصاح عن الأموال والأوقاف والإيرادات.
فهل تخضع جميع أوجه الإنفاق العام للمعايير نفسها من الشفافية والمحاسبة؟ وهل جرى تحديد الكلفة الفعلية لهذه الالتزامات ومصدر تمويلها قبل المضيّ بها؟
في بلد يعاني أزمات مالية واجتماعية عميقة، لا يجوز أن تبقى هذه الأسئلة خارج النقاش العام، ولا أن يُنظر إلى المطالبة بالشفافية على أنها استهداف لأي طائفة أو مؤسسة.
سادسًا: هل المقصود إنهاء المدرسة الرسمية والتعليم الرسمي؟ ولصالح من؟
قد لا تعلن أي جهة رسميًا أنها تريد إنهاء المدرسة الرسمية، لكن النتيجة التي يخشاها اللبنانيون هي أن يؤدي استمرار الأزمات، عامًا بعد عام، إلى إضعاف هذا القطاع ودفع مزيد من العائلات نحو التعليم الخاص.
عندما تتأخر القرارات، وتضطرب أوضاع الأساتذة، ويُترك التلامذة أمام مستقبل دراسي غير واضح، تتراجع ثقة الأهالي بالمدرسة الرسمية. وعندما تتراجع هذه الثقة، تصبح العائلات القادرة ماليًا مضطرة إلى البحث عن بدائل، فيما تبقى العائلات الأقل قدرة أمام خيارات محدودة ومؤلمة.
وهكذا، قد تتسع الفجوة بين من يستطيع شراء فرصة تعليمية أفضل ومن لا يستطيع، ويتحوّل التعليم من حق يفترض أن تضمن الدولة شروطه إلى عبء تتحمّله الأسرة بحسب إمكاناتها.
من هنا، فإن السؤال ليس اتهامًا بوجود خطة سرية لإنهاء التعليم الرسمي، بل مساءلة عن نتائج السياسات والقرارات والتأخيرات المتراكمة.
هل المقصود إنهاء المدرسة الرسمية والتعليم الرسمي؟ ولصالح من؟
إن حماية المدرسة الرسمية ليست شأنًا إداريًا يخص وزارة التربية وحدها، بل قضية وطنية واجتماعية تتصل بتكافؤ الفرص، وبقدرة أبناء لبنان على الوصول إلى التعليم، وبمستقبل الدولة نفسها.
فالمدرسة الرسمية ليست مجرد مبنى أو مؤسسة، بل إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولا يجوز تركها تضعف فيما تُحمَّل الأسر وحدها تبعات الأزمة.
سابعًا: ما الذي نطالب به؟
انطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية، يطالب التحالف الوطني اللبناني – LNA بما يأتي:
- توضيح مصير الأساتذة المستعان بهم: نشر معايير واضحة وشفافة لتحديد الحاجات، وبيان مصير العقود المتأثرة، والجدول الزمني لمعالجة الملف.
- خطة تربوية استباقية: اعتماد التسجيل الإلكتروني المبكر وحملات التواصل مع الأهالي، وتحسين جمع البيانات المتعلقة بأعداد التلامذة وتوزّعهم الجغرافي.
- تأمين التمويل اللازم: وضع التعليم الرسمي ضمن الأولويات الفعلية للإنفاق العام، وعدم الاكتفاء بتبرير التعثّر بنقص الاعتمادات.
- خطة واضحة لضمان انتظام العام الدراسي: إعلان الإجراءات المطلوبة والمهل الزمنية والمسؤوليات المحددة، بما يحمي حق التلامذة في التعليم وحقوق الأساتذة.
- مساءلة حكومية صريحة: مطالبة وزيرة التربية بتوضيح ما اتُّخذ من تدابير، ومطالبة رئيس الحكومة بتحديد دور حكومته في معالجة الأزمة وضمان التنفيذ.
- شفافية في الالتزامات المالية الجديدة: نشر الدراسات المالية والقانونية اللازمة لأي مشروع يرتّب أعباء على المال العام، بما في ذلك مشروع الرواتب التقاعدية لرؤساء الطوائف الروحية.
- مبدأ واحد في ترتيب الأولويات: إخضاع القرارات المتعلقة بالإنفاق العام لمعيار المصلحة العامة، مع إعطاء الحقوق الأساسية، وفي مقدّمها التعليم، مكانتها التي تستحقها.
الخاتمة: من يحاسب، ومن يتحمّل المسؤولية؟
إن الدفاع عن التعليم الرسمي ليس دفاعًا عن فئة من الأساتذة فحسب، بل دفاع عن حق التلامذة، وعن العائلات التي لا تستطيع تحمّل كلفة التعليم الخاص، وعن مبدأ تكافؤ الفرص، وعن دور الدولة في حماية مواطنيها.
ومن حق الأساتذة أن يطالبوا بالوضوح والاستقرار، ومن حق الأهالي أن يعرفوا مصير العام الدراسي، ومن حق التلامذة ألا يخسروا فرصهم التعليمية بسبب التأخير أو سوء التخطيط.
لذلك، لا بدّ من مساءلة وزيرة التربية عن إدارة هذا الملف، ومساءلة رئيس الحكومة عن أولويات حكومته وقدرتها على تأمين التمويل اللازم، ومساءلة الحكومة عن المعايير التي تعتمدها في توزيع الموارد العامة.
فمن يحاسب على ما وصل إليه التعليم الرسمي؟ ومن يحدّد أولويات الإنفاق العام؟ وأين مسؤولية الحكومة ورئيسها عن حماية حق التلامذة في التعليم؟
إن التحالف الوطني اللبناني – LNA يؤكد أن التعليم الرسمي ليس خدمة ثانوية، ولا بندًا يمكن تأجيله كلما ضاقت الإمكانات. إنه مسؤولية الدولة تجاه أبنائها، وأحد الشروط الأساسية لبناء وطن عادل يحفظ كرامة مواطنيه ومستقبل أجياله.
لا يكفي أن نتحدث عن إصلاح الدولة؛ فالإصلاح يبدأ عندما تصبح حقوق الناس أولوية فعلية، وعندما تُحاسَب السلطة على قراراتها ونتائجها، لا عندما تكتفي بتقديم التبريرات.
التحالف الوطني اللبناني – LNA | Lebanese National Alliance
www.lnalliance.org