
نمير شاهين
لا يمكن فهم التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل على أنه مجرد ردّ على الاغتيالات الإسرائيلية أو محاولة تكتيكية لاستعادة الردع. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. إنه جزء من إعادة توزيع للضغط العسكري داخل صراع إقليمي ودولي تتقاطع فيه حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تتحول الساحة اللبنانية إلى إحدى أدوات هذا الصراع.
في هذا السياق، يبدو أن حزب الله يحاول إعادة تثبيت دوره داخل منظومة النفوذ الإيرانية في المنطقة، في لحظة تواجه فيها طهران ضغوطاً عسكرية وأمنية متزايدة.
خلال السنوات الأخيرة، تآكلت صورة الردع التي بناها الحزب منذ حرب 2006. فقد تصاعدت عمليات الاغتيال التي طالت كوادره وقياداته، وتكاثرت الاختراقات الأمنية داخل بنيته التنظيمية، بالتوازي مع توسع العمليات الإسرائيلية الدقيقة في لبنان وسوريا. هذه التطورات فرضت على الحزب معادلة واضحة: استعادة الردع تتطلب فعلاً عسكرياً كبيراً، لا مجرد ردود محدودة.
لهذا السبب، فإن رشقات صاروخية محدودة لا تغيّر شيئاً في ميزان القوى. ما يحتاجه الحزب هو هجوم صاروخي واسع يعيد تثبيت معادلة الردع ويؤكد أن قدراته ما زالت قادرة على فرض كلفة استراتيجية على إسرائيل.
العنصر الأهم في هذا المشهد هو التلازم العملياتي بين إيران وحزب الله. ففي حال توسع التصعيد، قد نشهد عمليات صاروخية متزامنة من الجبهتين، بما يحقق هدفين أساسيين: تعزيز مظلة الردع المشتركة، وتشتيت القدرات الدفاعية الإسرائيلية عبر تعدد مصادر التهديد.
هذا التلازم يمنح حزب الله غطاءً استراتيجياً لم يكن متاحاً له سابقاً، إذ تصبح الجبهة اللبنانية جزءاً من معادلة ردع إقليمية متعددة الجبهات.
لكن فهم التصعيد الحالي يتطلب أيضاً النظر إلى الحسابات الإيرانية الأوسع. فإيران لا تبدو مستعجلة للتفاوض قبل تحقيق شروطها الأساسية: الاعتراف بأمنها الإقليمي، تثبيت حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، وإخراج برنامجها الصاروخي من أي مفاوضات. ضمن هذه المعادلة التفاوضية الكبرى، لا يظهر لبنان كملف مستقل أو كطرف سيحصل على مكاسب. الجبهة اللبنانية تُستخدم أساساً كأداة ضغط ضمن ميزان القوى الإقليمي.
وفي حال تعرضت إيران لضغط عسكري مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تسعى إلى نقل جزء من المواجهة إلى ساحات أخرى. وهنا يصبح لبنان ساحة استنزاف بديلة: حرب تستنزف إسرائيل عسكرياً وتفرض عليها تركيزاً جوياً وبرّياً في لبنان بدلاً من الساحة الإيرانية.
بهذا المعنى، قد تتحول الحرب على الجبهة اللبنانية إلى أداة لإعادة توزيع الموارد العسكرية الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
غير أن هذا التصعيد لا ينفصل عن التوازنات الدولية الأوسع. فإطالة أمد التوتر في الشرق الأوسط قد تخدم أيضاً حسابات قوى كبرى. روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة وتخفيف الضغط الاقتصادي عليها، فيما تراقب الصين قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات استراتيجية متعددة في وقت واحد.
وسط هذه الشبكة المعقدة من المصالح، يبقى لبنان الحلقة الأضعف. فالدولة اللبنانية لا تملك قرار الحرب والسلم بالكامل، وتعاني أصلاً من انهيار اقتصادي ومؤسساتي عميق.
المفارقة القاسية أن لبنان يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي ودولي لا يملك أدوات التحكم به. بينما تتقاطع مصالح القوى الكبرى في هذه المواجهة، يبقى لبنان الطرف الوحيد الذي قد يدفع الكلفة الكاملة — من دون أن يجني أي مكسياسي أو استراتيجي.