لبنان ذاكرة لا تنطفئ وحلم لا ينكسر، لأن الحرية فيه قدر والوجود فيه قرار

علينا أن نتكاتف، لا لأن الطريق سهل، بل لأن البديل هو الضياع. أن نتصالح، لا لأننا بلا جراح، بل لأن لبنان أكبر من كل الجراح. أن نتآخى، لا لأننا متشابهون، بل لأن اختلافنا هو سرّ غناه وجماله.
لبنان ليس مجرد أرض، بل فكرة حيّة، رسالة محبة وحرية، وفسيفساء إنسانية لا مثيل لها. هو ذاكرة عظمائه وتعب الأمهات، وأحلام الشباب الذين يرفضون أن ينكسروا رغم كل العواصف. هو الكنيسة إلى جانب المسجد، والجرس مع الأذان، وصوت الحياة الذي لا يخمد.

لبنان ليس مجرد وطن نعيش فيه، بل هو وطن يعيش فينا. هو حكاية شعبٍ تعلّم أن ينهض بعد كل سقوط، وأن يحوّل أوجاعه إلى إرادة حياة. هو الذاكرة التي تحفظ تضحيات الشهداء من ودموع الأمهات، وصبر الآباء، وأحلام جيلٍ يرفض أن يُسرق مستقبله.
لكن هذا الوطن الحلم مهدّد، ليس فقط بالأزمات الاقتصادية والسياسية، بل أيضًا بما هو أخطر: الانقسام في النفوس، والتباعد في القلوب، وفقدان الثقة بين أبنائه. حين ينكفئ كل واحد إلى طائفته، أو حزبه، أو مصلحته، يضعف لبنان. وحين نسمح للكراهية أن تتسلل إلى خطابنا، نخسر جزأً من إنسانيتنا قبل أن نخسر وطننا.
لذلك، فإن التكاتف اليوم ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية. أن نمدّ أيدينا لبعضنا البعض، أن نكسر حواجز الشك والخوف، أن نعيد بناء جسور الثقة التي تهدّمت. أن نؤمن أن لا خلاص لفئة دون أخرى، ولا نهوض لطائفة على حساب أخرى، بل إن خلاص لبنان هو بخلاص جميع أبنائه معاً.
والتصالح لا يعني النسيان، بل يعني أن نتعلّم من الماضي دون أن نبقى أسرى له. أن نحاسب، نعم، ولكن بعدل، وأن نغفر، لا ضعفًا، بل قوةً وإيمانًا بأن المستقبل يستحق فرصة. أن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن نُدرك أن السياسة يجب أن تكون وسيلة لخدمة الناس، لا أداة لتفريقهم.
أما التآخي، فهو أن نرى في الآخر شريكاً لا خصماً، أخًا في الوطن لا تهديداً. أن نحترم اختلافاته، ونحمي حقوقه، كما نطالب بحقوقنا. أن نُعلّم أبناءنا أن التنوّع في لبنان ليس لعنة، بل نعمة، وأن قوته كانت دائماً في تعدديته ووجهه العربي وإنفتاحه على الغرب.
لبنان الحلم ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى إرادة صادقة. يحتاج إلى شعب يرفض الاستسلام، ويؤمن بأن هذا الوطن، رغم كل شيء، يستحق أن يُقاتل من أجله بالكلمة، بالموقف، بالوحدة.
فلنكن على قدر هذا الحلم. لنحمله معاً، نحميه معاً، ونبنيه معاً. لأن لبنان، إن ضاع، لا يُعوّض… وإن بقي، يبقى بنا.

د. ماجد محمد شرف الدين
منسق مادة عناصر التحليل الاقتصادي
HEC – جامعة مونتريال

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain