تحديث سياسي | محادثات واشنطن تفتح بابًا ضيقًا بين لبنان وإسرائيل، لكن الجنوب ما زال تحت النار وهرمز يضغط على المسار كله

افتتحت واشنطن مسارًا مباشرًا نادرًا بين لبنان وإسرائيل، لكن هذا التطور لم يأتِ في لحظة تهدئة فعلية، بل وسط استمرار القتال في الجنوب، وتعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، وتشديد الحصار البحري عند هرمز. الصورة الأوضح اليوم هي أن الدبلوماسية تتحرك، لكن الميدان ما زال يفرض إيقاعه، ما يجعل أي حديث عن سلام قريب سابقًا لأوانه. 

ماذا حدث

انعقدت في واشنطن أول محادثات مباشرة من هذا المستوى بين لبنان وإسرائيل منذ عقود، على أن تتبعها جولة ثانية. نيويورك تايمز عرضت الحدث كاتفاق على مواصلة المحادثات رغم استمرار القتال، فيما قرأت فايننشال تايمز اللقاء بوصفه أول تواصل مباشر منذ عقود لكنه يجري تحت ضغط الحرب واتصالها بالمسار الإيراني. في المقابل، أظهرت هآرتس وتايمز أوف إسرائيل قدرًا أكبر من التحفظ: الأولى طرحت فرضية أن نتنياهو قد يستخدم المسار لكسب الوقت أمام واشنطن وأمام المعركة مع حزب الله، والثانية رأت أن فرص الاختراق ستظل محدودة ما دام المطلوب اللبناني هو وقف النار، فيما المطلوب الإسرائيلي هو نزع سلاح حزب الله وتغيير بيئته الاستراتيجية المرتبطة بإيران. 

وفي الجنوب، لم يتوقف الضغط العسكري. رويترز أفادت في الأيام الأخيرة بأن إسرائيل واصلت عملياتها الميدانية، فيما فايننشال تايمز ذهبت أبعد في توصيف الاتجاه العسكري، متحدثة عن استعداد إسرائيلي للسيطرة على بنت جبيل، المدينة التي تحمل رمزية خاصة في سردية “التحرير” لدى حزب الله. هذا يعني أن إسرائيل تفاوض وهي ما تزال تعمل على تحسين شروطها بالنار، لا بعد تثبيت هدنة مستقرة. 

سياسيًا، تكشف الوقائع أن إسرائيل لا تريد دورًا فرنسيًا في هذا المسار، فيما قال السفير الإسرائيلي في واشنطن بوضوح إن باريس “ليست طرفًا إيجابيًا” في المفاوضات. هذا التفصيل ليس ثانويًا، لأنه يوضح أن تل أبيب تريد احتكار المظلة الأميركية للمسار اللبناني، وتقليص أي رعاية دولية قد تدفع نحو أولويات مختلفة، مثل وقف النار السريع أو إدخال ترتيبات دولية أوسع. 

لماذا يهم

أهمية هذا التطور أنه يثبت أن الملف اللبناني لم يعد ملفًا حدوديًا فقط، بل صار جزءًا من إدارة إقليمية متشابكة بين واشنطن، إسرائيل، وإيران. واشنطن بوست قدّمت رؤية صارمة تعتبر أن لبنان أمام “فرصة ثانية ليفعل الشيء الصحيح”، أي أن ينخرط في مسار يحد من دور حزب الله بدل الاكتفاء بطلب وقف النار. هذه ليست حقيقة ميدانية، لكنها مؤشر إلى أن جزءًا من المزاج الأميركي لا ينظر إلى المفاوضات كباب تهدئة فقط، بل كباب إعادة ترتيب لبنانية داخلية. 

ومن زاوية لبنانية داخلية، تلتقي هذه النقطة مع القراءة التي قدّمها المراقبون: لبنان يدخل التفاوض بلا أوراق قوة كافية، ويطرح السلام من موقع الضعف، فيما تطرح إسرائيل الحرب من زاوية إبعاد خطر حزب الله وفرض مسار ينتهي إلى حصر السلاح بيد الدولة. جوهر هذه القراءة أن إسرائيل تستطيع مواصلة ضرب الحزب، لكنها لا تستطيع وحدها نزع سلاحه؛ وهذه مسألة لا يمكن أن تُحسم إلا من داخل الدولة اللبنانية، عبر الجيش ومؤسسات القرار، إذا امتلكت الإرادة والغطاء والقدرة. هذا تقدير تحليلي لبناني، وليس معطىً خبريًا بحد ذاته، لكنه يفسر مأزق المفاوضات أكثر من كثير من البيانات الرسمية.

أميركا وإيران: التفاوض يتعثر والحصار يتشدد

على الجبهة الإيرانية، لا تبدو الصورة أكثر تماسكًا. ذا تايمز نقلت عن جيه دي فانس أن طهران تريد اتفاقًا لكن منسوب انعدام الثقة مرتفع جدًا، فيما أظهرت واشنطن بوست أن واشنطن تريد استئناف المحادثات لكنها ترفض تسوية تسمح لإيران بالاحتفاظ بتخصيب طويل الأمد بالمستوى الذي تطلبه. وفي المواد التي أرسلتها، ظهرت أيضًا مشكلة إضافية: تصريحات ترامب نفسها باتت متناقضة بشأن سفر الوفد الأميركي، وتوقيت المحادثات، واحتمالات الاتفاق. هذا التناقض يضعف الرسالة الأميركية ويمنح طهران مادة إضافية للقول إنها لا تفاوض شريكًا مستقرًا في شروطه أو روايته. 

في الوقت نفسه، تحولت هرمز من ورقة ضغط إلى مسرح اشتباك اقتصادي مباشر. واشنطن بوست وفايننشال تايمز أفادتا بأن الحصار الأميركي دفع ست سفن تجارية على الأقل إلى العودة، وأن واشنطن تستخدم أكثر من اثنتي عشرة قطعة بحرية شرق المضيق لفرض قيود المرور. لوموند وصفت هذا المسار بأنه محاولة لتجفيف موارد إيران وخنقها اقتصاديًا بعد تعثر محادثات إسلام آباد، بينما حذرت الغارديان من أن تصعيد الحرب مع إيران قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود جديد، في ضوء تحذيرات صندوق النقد الدولي. 

ماذا يعني للبنان

أولًا، تفاوضيًا:
محادثات واشنطن فتحت قناة، لكنها لم تغيّر ميزان القوى. لبنان يريد وقف النار وعودة المدنيين وتقليص الدمار، فيما تريد إسرائيل أكثر: تغييرًا أمنيًا طويل الأمد يبدأ جنوبًا ولا ينتهي عنده. لذلك فالمفاوضات، في صيغتها الحالية، تبدو أقرب إلى إدارة صراع من كونها مسار تسوية ناضجًا. 

ثانيًا، سياديًا:
إذا صحّت القراءة الإسرائيلية التي ظهرت في معاريف، فواشنطن منحت إسرائيل أصلًا نافذة زمنية لاستكمال عملياتها قبل الانتقال إلى المسار السياسي، مع تعمّد فصل الساحة اللبنانية عن المسار الإيراني الأوسع. وحتى لو بقي هذا التقدير إعلاميًا وغير مؤكد من مصادر مستقلة، فإن ما هو مؤكد أن لبنان لا يدخل هذه المحادثات من موقع من يفرض الإيقاع، بل من موقع من يحاول الحد من الخسارة. هذه هي المعضلة السيادية الفعلية اليوم.

ثالثًا، معيشيًا واقتصاديًا:
أي اضطراب إضافي في هرمز أو باب المندب سيصل سريعًا إلى لبنان. بلد هش في الكهرباء والمحروقات والنقل لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضائق كي يتضرر؛ يكفي ارتفاع التأمين، اضطراب الشحن، وتوتر أسواق الطاقة حتى ينعكس ذلك على الأسعار وكلفة الحياة اليومية. تحذيرات صندوق النقد، كما نقلتها الغارديان ولوموند، تجعل هذا الخطر أكثر من احتمال نظري.

رابعًا، داخليًا:
تحذير ربيع الهبر من احتمال انقسام داخلي حاد يظل جديًا. فإذا وصل التفاوض إلى بنود تنفيذية تتعلق بالسلاح أو بآلية أمنية يرفضها حزب الله، فقد يتحول الخلاف من نقاش سياسي إلى أزمة داخلية كبرى. هذا ليس السيناريو الوحيد، لكنه الخطر الذي يجعل أي تسوية خارجية من دون غطاء لبناني داخلي واسع قابلة للتفجر بدل الاستقرار.

ما الذي يجب مراقبته لاحقًا

1. هل تتحول جولات واشنطن إلى مسار منتظم أم تبقى واجهة سياسية؟
المعيار هنا ليس عقد اللقاءات فقط، بل ما إذا كانت ستنتج تخفيفًا فعليًا للنار أو جدولًا واضحًا للمراحل التالية. 

2. هل يستمر الفصل بين لبنان وإيران في إدارة الصراع؟
إسرائيل تصر على الفصل، لكن الحرب نفسها تُظهر أن الساحتين مترابطتان. أي تعثر كبير في المسار الإيراني قد ينعكس فورًا على لبنان. 

3. هل يبقى الحصار البحري تحت السيطرة؟
إذا اتسع الاحتكاك في هرمز أو امتد إلى البحر الأحمر، فسنكون أمام مرحلة أعلى كلفة على المنطقة والعالم، وعلى لبنان ضمنًا. 

الصورة اليوم ليست صورة سلام يقترب، بل صورة قناة تفاوض تُفتح تحت ضغط الحرب. واشنطن تريد إبقاء المسار اللبناني حيًا كي لا ينسف التهدئة الأوسع، إسرائيل تريد أن تفاوض من موقع تفوق ميداني، وإيران ما زالت عقدة المشهد كله، من هرمز إلى الجنوب اللبناني. بالنسبة إلى لبنان، السؤال لم يعد فقط كيف يوقف النار، بل كيف يفاوض من دون أن يتحول السلام نفسه إلى عنوان انقسام داخلي أو إلى غطاء لفرض شروط من الخارج.

ينطلق التحالف الوطني اللبناني من أولوية واضحة: حماية الناس، صون الاستقرار، والدفع نحو دولة قادرة تمسك قرارها ومؤسساتها، لأن كلفة الفوضى يدفعها اللبنانيون أولًا.

التحالف الوطني اللبناني (LNA)
قراءة يومية هادئة وموثوقة لما يهم لبنان واللبنانيين.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain