
نمير شاهين
تشهد الأسواق العالمية اضطرابًا متسارعًا في سلاسل الإمداد، يطال بشكل مباشر السلع القادمة من آسيا، لا سيما من المصانع في فيتنام والهند. هذا الخلل لا يقف عند حدود النقل أو اللوجستيات، بل يمتد إلى نقص حاد في المواد الخام الأساسية، من البلاستيك والألمنيوم إلى البتروكيماويات القادمة من الخليج. تقارير نشرتها The Economist وFinancial Times وCNN تشير بوضوح إلى أن حجم الأزمة أكبر بكثير مما يبدو على السطح.
حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز فورًا، فإن المشكلة لن تُحل سريعًا. الخلل البنيوي في آبار النفط يعني أن تدفق البتروكيماويات لن يعود إلى مستوياته الطبيعية في وقت قريب. نحن أمام أزمة هيكلية، لا ظرفية، ما يجعل مسار التعافي بطيئًا ومكلفًا.
في هذا السياق، يبرز موقف ويليام بيرنز، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية وأحد مهندسي الاتفاق النووي في عهد أوباما. في مقال نشره في The New York Times، وجّه بيرنز انتقادًا مباشرًا لنهج ترامب، معتبرًا أن الاستراتيجية الحالية تجاه إيران دفعت الأمور نحو مسار أكثر خطورة وعمّقت الأزمة بدل احتوائها.
طرح بيرنز مقاربة مختلفة تقوم على إدارة المخاطر لا تصعيدها. جوهر توصياته واضح: الصبر بدل الاستعجال، والعمل طويل الأمد بدل البحث عن إنجازات سريعة. يدعو إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية المهنية، عبر مفاوضين يفهمون تعقيدات السلوك الإيراني، لا شخصيات تفتقر للخبرة التفاوضية مثل ستيف ويتكوف. كما يشدد على أن الدبلوماسيين الإيرانيين ليسوا طرفًا سهلًا، بل محترفون يجيدون إدارة التفاوض بدقة عالية.
الحل، وفق هذا الطرح، لا يكون عبر كسر الطرف الآخر، بل عبر إعادة صياغة الاتفاق. نسخة معدّلة من الاتفاق النووي السابق، تتضمن تجميد التخصيب لفترات أطول، تقليص مخزون اليورانيوم، وتخفيف العقوبات مقابل التزامات واضحة، تحت رقابة صارمة وآليات تحقق دقيقة.
لكن بيرنز يذهب أبعد من ذلك، داعيًا إلى توسيع الإطار التفاوضي ليشمل دول الخليج كافة، من العراق إلى السعودية. الهدف: نقل الأزمة من مواجهة ثنائية إلى مقاربة إقليمية شاملة، مدعومة بصندوق مالي يعالج تداعيات الحرب ويعيد توزيع الأعباء وفق قدرات الدول واحتياجاتها. في خلفية هذا الطرح قناعة أساسية: استمرار التصعيد العسكري لن ينتج استقرارًا، بل يراكم كلفة يصعب احتواؤها لاحقًا.
ميدانيًا، التقييم لا يبدو مريحًا لواشنطن. الضربات العسكرية لم تحقق أهدافها، فيما استُنزفت الموارد بشكل ملحوظ، مع إطلاق مئات الصواريخ وتقليص المخزون الاستراتيجي. في المقابل، طوّرت إيران تكتيكاتها ورفعت من قدرتها على امتصاص الضربات، ما جعل استهدافها أكثر تعقيدًا. هذا المسار، عمليًا، يفتح المجال أمام لاعبين دوليين مثل روسيا والصين لتعزيز مواقعهم، مع مؤشرات واضحة على أن بكين هي المستفيد الاستراتيجي الأبرز.
اقتصاديًا، التداعيات تتراكم بشكل متسارع. الأزمة لم تعد مجرد خلل في سلاسل الإمداد، بل تتحول إلى موجات متتالية من الاضطراب تضرب النظام الاقتصادي العالمي. كل تأخير في الحل يضاعف الكلفة، ويرفع احتمالات الوصول إلى نقص حاد في السلع وضغوط قاسية على الأسواق. داخليًا، هذا المسار يهدد بتداعيات سياسية على الإدارة الأمريكية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
في المقابل، تبدو إدارة ترامب متمسكة بمقاربتها، رغم الانتقادات. تركيبة يغلب عليها الطابع التجاري والاستثماري أكثر من الخبرة الدبلوماسية، وميل واضح لتجاهل نصائح شخصيات مخضرمة . ومع ذلك، لا يزال هامش التعديل قائمًا، وإن كان يضيق بسرعة.
أما إيران، فتتعامل مع التصعيد بحذر محسوب. نجحت في امتصاص الضربات دون خسائر استراتيجية كبيرة، وتبعث برسائل واضحة: التصعيد له سقف، واستمراره ليس خيارًا مفتوحًا. في الوقت نفسه، لا ترى ضرورة ملحّة لامتلاك سلاح نووي طالما أن قدراتها التقليدية توفر لها توازنًا مقبولًا.
العالم أمام أزمة متعددة الطبقات، اقتصادية، عسكرية، ودبلوماسية حيث لا يملك أي طرف القدرة على فرض كامل شروطه. المسار الحالي يقود إلى استنزاف متبادل، فيما يظل الحل الوحيد الواقعي في إعادة فتح باب التفاوض، ولكن بشروط أكثر واقعية وبراغماتية.