إيران تفاوض الشيطان الأكبر

نمير شاهين

منذ أكثر من أربعة عقود، بُني جزء كبير من الخطاب السياسي لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية على فكرة المواجهة الوجودية مع الولايات المتحدة.
“الشيطان الأكبر” لم يكن مجرد وصف سياسي عابر، بل ركيزة أيديولوجية كاملة: تعبئة جماهيرية، شرعية ثورية، وصورة عن معركة مفتوحة بين مشروعين لا يمكن أن يلتقيا.

لكن المنطقة كلها تعرف اليوم حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجهد لإثباتها:
إيران تفاوض أميركا.
فاوضتها في السر، وفاوضتها في العلن، وفتحت معها قنوات مباشرة وغير مباشرة، وخاضت معها مفاوضات نووية وأمنية وسياسية، لا لأن العقيدة تبدلت، بل لأن مصلحة الدولة الإيرانية فرضت ذلك.

وهنا لا تكمن المشكلة.

كل الدول تتفاوض مع خصومها عندما تصبح كلفة المواجهة أعلى من قدرة الاحتمال.
السياسة ليست صلاة دائمة، بل إدارة مصالح ومخاطر وموازين قوة. حتى أكثر الأنظمة العقائدية في العالم انتهت إلى البراغماتية عندما واجهت خطر الانهيار أو العزلة أو الحرب المفتوحة.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول ما هو “مسموح” لطهران إلى “خيانة” إذا فكر به اللبناني.

في الوقت الذي تفاوض فيه إيران “الشيطان الأكبر” لحماية اقتصادها ونظامها وأمنها القومي، يُطلَب من اللبناني أن يعيش داخل خطاب تخويني دائم، وأن يُمنع حتى من مناقشة الأسئلة التي تحدد مصير بلده:

  • كيف نحمي لبنان؟
  • كيف نمنع الحرب؟
  • كيف نستعيد الدولة؟
  • كيف نوقف الانهيار؟
  • وهل يحق للبنان أصلًا أن يفكر بمصلحته الخاصة؟

هنا تظهر المفارقة القاسية.

إيران تتفاوض عندما تحتاج.
تُهادن عندما تحتاج.
تعيد التموضع عندما تحتاج.
تقبل بالمرونة عندما يكون بقاء الدولة أو المشروع مهددًا.

أما في لبنان، فكثيرًا ما يجري التعامل مع أي نقاش مشابه كأنه انحراف أخلاقي أو سقوط وطني أو عمالة سياسية.

كأن البراغماتية حق حصري للدول القوية، بينما يُفرض على الشعوب الضعيفة أن تعيش داخل الشعارات حتى لو احترقت أوطانها بالكامل.

والأخطر من ذلك أن لبنان ليس إيران أصلًا.

إيران دولة مركزية تمتلك مؤسسات، جيشًا موحدًا، قرارًا استراتيجيًا مركزيًا واقتصادًا وعمقًا جغرافيًا يسمحان لها بتحمل العقوبات والصدمات والحروب.

أما لبنان، فهو بلد صغير وممزق ومنهك: اقتصاده ينهار، شبابه يهاجر، مؤسساته تتآكل ومجتمعه يعيش فوق خطوط توتر دائمة.

أي خطأ استراتيجي في إيران قد يُمتص داخل دولة كبيرة.
أما في لبنان، فالخطأ نفسه قد يتحول إلى انهيار شامل، أو حرب أهلية، أو ضياع جيل كامل.

لهذا السبب، فإن السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم ليس سؤال تطبيع أو استسلام كما يحاول البعض تصويره، بل سؤال سيادة وحق طبيعي في التفكير:

هل يحق للبنان أن يناقش مصلحته الوطنية بعيدًا عن مصالح المحاور؟

وهل وظيفة اللبناني أن يبقى فقط وقودًا في صراع إقليمي طويل، بينما جميع اللاعبين الكبار يتفاوضون فوق رأسه عندما تقتضي مصالحهم ذلك؟

المؤلم في المشهد اللبناني ليس فقط الانقسام السياسي، بل الانفصال الكامل بين من يدفع الثمن ومن يملك القرار.

القرى اللبنانية تُدمَّر.
الاقتصاد اللبناني ينهار.
العائلات اللبنانية تُهجَّر.
لكن حق النقاش نفسه يصبح أحيانًا محرّمًا.

أي دولة في العالم تُعيد تقييم خياراتها عندما تدفع أثمانًا بهذا الحجم.
إلا في لبنان، حيث يُطلب من الناس أحيانًا أن يصمتوا، وأن يتحملوا الكلفة، وأن يكتفوا بترداد الشعارات، حتى فيما القوى الإقليمية نفسها تعقد الصفقات وتفاوض خصومها وتبحث عن مخارج تحفظ أنظمتها ومصالحها.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية.

القضية لم تعد فقط مع أميركا، أو مع إسرائيل أو مع إيران.

القضية أصبحت:

من يملك حق تعريف مصلحة لبنان؟

هل الدولة اللبنانية ومؤسساتها وشعبها؟
أم المشاريع الإقليمية التي ترى لبنان مجرد ساحة متقدمة في معركة أكبر منه؟

في النهاية، لا توجد دولة تُبنى بالشعارات وحدها.
ولا توجد مقاومة تستطيع حماية مجتمع ينهار من الداخل.
ولا يمكن لأي مشروع أن يدّعي الدفاع عن الناس فيما الناس أنفسهم يفقدون الأمان، الاستقرار، الاقتصاد والدولة.

أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي بلد هو أن يصبح أبناؤه ممنوعين حتى من التفكير بصوت مرتفع حول كيفية إنقاذ وطنهم.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain