
جيوبوليتيك
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات حول مضيق هرمز، يتكرر السؤال نفسه في لبنان: ما علاقة اللبنانيين بكل هذا؟
ظاهريًا، لا شيء.
فالمواجهة تدور بين الولايات المتحدة وإيران. والحديث يدور حول الملاحة الدولية وأسواق النفط والطاقة العالمية. أما لبنان، فيفترض أنه ملف مختلف له تعقيداته الخاصة وحدوده الخاصة وأزماته الخاصة.
لكن الواقع الجيوبوليتيكي لا يعمل دائمًا بهذه البساطة.
فبينما يحاول اللبنانيون الفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، تبدو القوى الإقليمية والدولية أقل قدرة أو أقل رغبة في هذا الفصل. وعندما ترتفع حرارة المواجهة حول مضيق هرمز، يبدأ القلق في لبنان بالارتفاع أيضًا، ليس لأن اللبنانيين طرف في هذه المعركة، بل لأن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن أي تصعيد كبير بين واشنطن وطهران نادرًا ما يبقى محصورًا في الخليج.
اليوم، لا ينظر العالم إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر بحري. إنه أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. عبره يمر جزء كبير من النفط الذي يغذي الأسواق الدولية. وأي اضطراب فيه يمكن أن يرفع أسعار الطاقة ويهز الأسواق ويضع الحكومات الغربية أمام ضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة.
لهذا السبب تتابع واشنطن ما يجري في هرمز بحساسية استثنائية.
المشكلة بالنسبة للبنان أن هذه الأولوية الدولية قد تؤثر بشكل غير مباشر على مسار الحرب الدائرة في الجنوب. فعندما تصبح حماية استقرار الخليج أولوية قصوى لدى القوى الكبرى، تدخل ملفات أخرى إلى دائرة الحسابات والمقايضات والتفاهمات الإقليمية، ومنها الملف اللبناني.
وهنا يبدأ القلق اللبناني الحقيقي.
ليس لأن لبنان جزء من معركة النفط، بل لأن اللبنانيين يعرفون جيدًا كيف تتحول بلادهم في كثير من الأحيان إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح وصراعات الآخرين.
اللبناني الذي يعيش في الجنوب أو الذي يتابع أخبار القرى الحدودية لا يفكر بأسعار النفط العالمية عندما يسمع صفارات الإنذار أو أخبار الغارات. لكنه يدرك أن القرارات الكبرى التي تحدد مصير الحرب لا تُصنع كلها على الحدود اللبنانية.
جزء منها يُصنع في واشنطن.
وجزء منها يُصنع في طهران.
وجزء منها يتأثر بما يجري في مياه الخليج.
هذا لا يعني أن مصير جنوب لبنان يُقرر في مضيق هرمز، ولا يعني أن الحرب في الجنوب مجرد تفصيل في مواجهة إقليمية أكبر. فلبنان له واقعه الخاص وتعقيداته الخاصة وكلفته الإنسانية الخاصة.
لكن ما يعنيه هو أن قدرة اللبنانيين على عزل أنفسهم عن الصراع الإيراني الأمريكي تبقى محدودة ما دام جزء من المشهد العسكري والسياسي اللبناني مرتبطًا بالتوازنات الإقليمية الأوسع.
من هنا، لا ينبع القلق اللبناني من أهمية مضيق هرمز بحد ذاته، بل من الخشية الدائمة من أن تتحول الأزمات الإقليمية الكبرى إلى عوامل إضافية تطيل أمد الحرب أو تعقد فرص التهدئة أو تجعل لبنان يدفع ثمن ملفات لا يملك قرارها.
وربما تكون هذه هي المعضلة اللبنانية الأكثر إيلامًا: أن اللبنانيين يريدون أن يكون مستقبل بلدهم مرتبطًا بمصالحهم الوطنية وأمنهم واستقرارهم، بينما تستمر المنطقة في جر لبنان إلى حسابات تتجاوز حدوده وقدراته واحتياجات شعبه.
وفي عالم الجيوبوليتيك، قد لا تكون المسافة بين جنوب لبنان ومضيق هرمز آلاف الكيلومترات كما تبدو على الخريطة. أحيانًا تختصرها معادلة سياسية واحدة، أو تفاوض إقليمي واحد، أو قرار تتخذه قوى أكبر من لبنان بكثير.