هل يدفع اللبنانيون ثمن استعادة الثقة؟ بين الإقامة الذهبية والرسوم الجديدة والودائع العالقة يلوح شبح الانكماش

بين مشروع الإقامة الاستثمارية طويلة الأمد، والرسوم الجديدة على المستوردات، وأزمة الودائع، وتداعيات الحرب والنزوح والدمار في الجنوب والضاحية، يواجه لبنان اختباراً اقتصادياً حساساً: كيف يستعيد ثقة المستثمرين والمغتربين من دون تحميل المواطنين كلفة إضافية؟

في الوقت الذي تحاول فيه الدولة اللبنانية إعادة تقديم لبنان كوجهة جاذبة للاستثمارات والرساميل، عبر مشاريع من نوع «الإقامة الذهبية» أو الإقامة الاستثمارية طويلة الأمد، صدر قرار بفرض رسوم إضافية تتراوح بين 1% و3% على شريحة واسعة من السلع المستوردة، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل يمكن بناء الثقة الاقتصادية وجذب المستثمرين، فيما يشعر المواطن بأن كلفة التعافي تُنقل تدريجياً إلى جيبه؟

المشكلة لا تكمن فقط في نسبة الرسوم، بل في توقيتها وطبيعتها. فلبنان، وفق دستوره، يقوم على اقتصاد حر يضمن المبادرة الفردية والملكية الخاصة، والدولة لا تحدد أسعار معظم السلع والخدمات بصورة مباشرة، بل تترك آلية التسعير للسوق والمنافسة. لكن هذه الحرية الاقتصادية تعمل اليوم في ظل ضعف الرقابة ومحدودية حماية المستهلك، ما يجعل انتقال أي كلفة إضافية من المستورد أو التاجر إلى المواطن أمراً شبه تلقائي.

وفي هذا السياق، حذّر رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي من أن الرسوم الجديدة ستنعكس على الأسعار النهائية، مؤكداً أن قرار فرض رسوم بين 1% و3% على معظم ما يستورده لبنان «مرّ بالظلّ» وأن النقابة تفاجأت به، معتبراً أنه سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار «بشكل مباشر وفوري». وهذا يعني أن الرسوم لا تبقى عند حدود الورق أو المعابر أو دفاتر المستوردين، بل تصل في النهاية إلى فاتورة المستهلك.

وتزداد خطورة هذه الرسوم لأنها تأتي في ظل حرب مفتوحة الكلفة على لبنان، وما رافقها من نزوح واسع، ودمار كبير في الجنوب والضاحية، وتعطّل آلاف العائلات عن أعمالها ومصادر رزقها. فالحرب لم تضرب المناطق المتضررة وحدها، بل انعكست على الاقتصاد الوطني بأكمله، من خلال تراجع الاستهلاك، وضعف الحركة التجارية، وارتفاع كلفة التأمين والنقل، وتردد المستثمرين والمغتربين في ضخ أموال جديدة داخل بلد يعيش تحت ضغط أمني وسياسي دائم.

ومن منظور اقتصادي وسيادي، يصعب بناء بيئة استثمارية مستقرة في ظل استمرار تعرض لبنان لمخاطر الانخراط في نزاعات إقليمية خارج إطار القرار الحصري للمؤسسات الدستورية اللبنانية، إذ يرفع ذلك من مستويات المخاطر السيادية، ويؤثر مباشرة على قرارات الاستثمار والاستهلاك، ويزيد كلفة التأمين والتمويل وممارسة الأعمال. وقد أظهرت التجربة الأخيرة أن أي مواجهة ذات أبعاد إقليمية تتحول سريعاً إلى كلفة وطنية عامة، يدفعها اللبنانيون جميعاً عبر اقتصاد أكثر هشاشة، وسوق عمل أضعف، وكلفة معيشة أعلى، وثقة أقل بالمستقبل.

القدرة الشرائية تحت الضغط

لم يكن المواطن اللبناني يعيش حالة رخاء حتى قبل الانهيار المالي، لكنه كان يتمتع بهامش قدرة شرائية أوسع نسبياً. قبل الأزمة، كان الحد الأدنى الرسمي للأجور يعادل نحو 450 دولاراً شهرياً، وكانت شريحة واسعة من اللبنانيين تتقاضى رواتب تراوح بين 700 و1000 دولار، ما سمح للطبقة الوسطى بالحفاظ على حد أدنى من الاستقرار.

أما اليوم، ورغم التعديلات التي طرأت على الأجور، فإن القيمة الحقيقية للدخل ما زالت أدنى بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة. فأسعار كثيرة عادت إلى مستويات قريبة من مرحلة ما قبل الانهيار، بينما ارتفعت بصورة كبيرة كلفة الكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم والنقل والخدمات الأساسية. وبذلك، لم يعد المواطن يواجه ارتفاع الأسعار فقط، بل يواجه معادلة أشد قسوة: دخل حقيقي أقل، خدمات عامة أضعف، بدائل خاصة أكثر كلفة، وفرص عمل محدودة في اقتصاد لم يستعد بعد قدرته على النمو.

الودائع والثقة المكسورة

ولا يمكن فصل أي نقاش حول جذب الرساميل والمغتربين عن أزمة الودائع التي ما زالت تشكل الجرح الأعمق في العلاقة بين اللبنانيين والقطاع المالي والدولة. فجزء كبير من الأموال المحتجزة يعود إلى لبنانيين مقيمين ومغتربين عملوا لسنوات طويلة وادخروا بهدف تأمين مستقبلهم أو الاستثمار في وطنهم أو دعم عائلاتهم.

ومن هنا، يصعب إقناع المغترب بضخ أموال جديدة في الاقتصاد اللبناني أو الاستفادة من برامج الإقامة الاستثمارية، فيما لا تزال أمواله السابقة موضع نزاع، وفي ظل غياب خطة عادلة وشفافة تعيد هيكلة القطاع المصرفي، وتحفظ حقوق المودعين، وتوزع الخسائر بصورة منصفة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين، بدلاً من تحميل الجزء الأكبر من كلفة الانهيار للمودعين وحدهم.

فالثقة لا تُبنى على وعود جديدة قبل معالجة الخسائر القديمة، ولا يمكن لأي سياسة جاذبة للاستثمار أن تحقق نتائج مستدامة إذا بقيت العلاقة المالية بين الدولة والمواطن والمغترب قائمة على الشك وعدم اليقين.

الرسوم ليست بديلاً عن الإصلاح

في الظروف الطبيعية، تحتاج الدولة إلى إيرادات لتمويل خدماتها والتزاماتها. لكن المشكلة في لبنان أن جزءاً كبيراً من السياسات المالية ما زال يعتمد على الرسوم والضرائب غير المباشرة، أي تلك التي يدفعها الجميع عند الاستهلاك، من دون تمييز كافٍ بين أصحاب الدخل المرتفع وأصحاب الدخل المحدود.

هذا النوع من الرسوم قد يكون سهلاً من ناحية الجباية، لكنه أقل عدالة اجتماعياً، لأنه يصيب القدرة الشرائية مباشرة، ويزيد الضغط على الأسر التي تنفق معظم دخلها على الغذاء والسكن والنقل والطبابة والتعليم.

لذلك، فإن المطلوب لا يقتصر على زيادة الإيرادات، بل على إصلاح ضريبي أوسع وأكثر عدالة، يقوم على توسيع قاعدة الضرائب المباشرة والتصاعدية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتحسين كفاءة الجباية، وتوجيه العبء الضريبي بطريقة تراعي القدرة الفعلية على الدفع.

صندوق النقد وخطر الانكماش

وقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن الناتج المحلي الإجمالي للبنان يُتوقع أن ينكمش في عام 2026، في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني بالغ الصعوبة الناتج عن استئناف الحرب. وهذا التحذير يضع النقاش في إطاره الصحيح: الخطر لا يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى احتمال دخول الاقتصاد في حلقة انكماشية أعمق، عنوانها استهلاك أقل، استثمارات أقل، أرباح أضعف، شركات متعثرة، وبطالة أعلى.

وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع مشروع الإقامة الاستثمارية طويلة الأمد كخطوة سلبية بحد ذاتها. فلبنان يحتاج فعلاً إلى الرساميل، وإلى إعادة ربط المغتربين بالاقتصاد المحلي، وإلى تحريك الاستثمار المنتج في قطاعات قادرة على خلق فرص عمل. لكن المستثمر، ولا سيما المغترب اللبناني، لا يأتي فقط بسبب تسهيل إداري أو إقامة طويلة. فهو يسأل أولاً عن الاستقرار، ومصير الودائع، ووضوح القوانين، والنظام المصرفي، والقدرة على تحويل الأموال، واحتمال اندلاع حرب جديدة أو انهيار جديد.

بمعنى آخر، الإقامة الذهبية قد تكون أداة مساعدة، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض غياب الثقة. فالثقة لا تُمنح بمرسوم، بل تُبنى عبر مؤسسات مستقرة، وقضاء موثوق، وسياسة مالية واضحة، وقطاع مصرفي معاد هيكلته، وبيئة أعمال يمكن التنبؤ بها.

الثقة لا تُبنى على حساب المواطن

لبنان يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة لا تفصل بين جذب المستثمر وحماية المواطن. فلا معنى لاستقطاب الرساميل إذا كان السوق الداخلي يضعف، والطبقة الوسطى تتآكل، والاستهلاك يتراجع، والمؤسسات الصغيرة تُترك وحدها في مواجهة ارتفاع الكلفة.

إن بناء الثقة الاقتصادية لا يتحقق بإجراءات متفرقة أو برسوم إضافية أو بعناوين استثمارية براقة. الثقة تبدأ عندما يشعر المستثمر أن البلد مستقر، وعندما يشعر المواطن والمغترب أن الدولة لا تعالج أزمتها على حساب أموالهما وحقوقهما وأمنهما الاجتماعي.

ومن دون هذا التوازن، ستبقى محاولات جذب الرساميل محدودة الأثر، فيما يستمر الاقتصاد اللبناني في الدوران داخل حلقة من النمو الضعيف، والاستهلاك المتراجع، والودائع العالقة، والثقة المفقودة.

Picture of سوزان أبو زكي

سوزان أبو زكي

رئيسة اللجنة الإقتصادية في التحالف الوطني اللبناني

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain

التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد التحالف الوطني اللبناني: تحويل الإحباط اللبناني إلى قوة وطنية منظمة، وإعداد جيل جديد لا يكتفي بالاعتراض على الانهيار، بل يستعد لتحمّل مسؤولية القيادة وبناء الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول استعادة ودائع اللبنانيين ومواجهة منظومة النهب المصرفية ـ السياسية: التصعيد خيارنا | دبابات العدو تعبر الليطاني ومعركة النبطية تقترب | التحالف الوطني اللبناني يطلق مبادرته التربوية من أجل مجتمع متعاف وموحد |