المقاومة خيار كل مواطن حر وشريف عندما تكون الأرض محتلة، بل هو عمل مقدس. لأن تحرير الأرض يبدأ بمقاومة الاحتلال. نعم، المقاومة هي التي ساهمت في تحرير معظم الجنوب عام ٢٠٠٠ وأجبرت إسرائيل على الانسحاب، وكانت بذلك ورقة قوة حقيقية للبنان. كما أن غياب مقاومة فاعلة في الجولان، ومنع قيامها لعقود من قبل حافظ الأسد، كان أحد الأسباب التي حالت دون تحرير تلك الأرض.
لكن نجاح المقاومة لا يعني أن دورها يجب أن يكون مفتوحاً بلا ضوابط أو حدود. فإطار عمل المقاومة يجب أن يبقى مرتبطاً بالمصلحة الوطنية اللبنانية، وألا يتجاوز حدود الوطن إلى فتح جبهات إسناد لصراعات وقضايا تخص شعوباً ودولاً أخرى. فعندما تتحول المقاومة من مشروع وطني لتحرير الأرض إلى أداة للانخراط في صراعات إقليمية، فإنها تخاطر بالوطن نفسه وبالإنجازات التي حققتها بدماء أبنائه وبالتالي يصبح عملها خيانة لأنه يؤدي إلى تدمير الوطن.
من هذا المنطلق، أعتبر أن فتح جبهة إسناد لحركة حماس في غزة كان خياراً استراتيجياً خاطئاً ومدمراً للبنان على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية والبشرية. وقد حذّرت منذ سنة ٢٠٢٠ من مخاطر جرّ لبنان إلى حرب لا تخدم أولوياته الوطنية ولا ترتبط بمصالحه الوطنية.
واليوم، بعد كل ما حصل من دمار وخسائر وتهجير وسقوط ضحايا، يجدر بنا أن نسأل بجرأة: ماذا جنى لبنان من هذه حرب إسناد غزة وإسناد الإخوان المسلمين فيها؟ ولماذا دفع اهل الجنوب الأثمان الباهظة لهذه الحرب، ولا يزال يدفعونها حتى اليوم؟
الدفاع عن المقاومة يكون عندما يكون هدفها تحرير الأرض (١٠٤٥٢ كم٢) وحماية الشعب. المقاومة التي تحمي الوطن هي مصدر قوة. أما المقاومة التي تضع الوطن في مهبّ صراعات الآخرين فتخاطر بأن تفقد الإنجازات التي صنعتها بنفسها. ولا بدّ لنا أن نستذكر أيضاً المقاومة المسيحية ضدّ ياسر عرفات وزمرة الوطن البديل التي سعت إلى تحويل لبنان، والجنوب خصوصاً، إلى وطنٍ بديل للفلسطينيين. تلك المقاومة كانت مقاومةً مشروعة ومقدّسة، تماماً كما كانت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بعد عام ١٩٨٢ وحتى التحرير عام ٢٠٠٠. فلولا هاتان المحطتان المفصليتان، لما بقي الجنوب كما نعرفه اليوم، ولما بقي لبنان وطناً سيداً مستقلاً ولولا من تصدّى لهما، لما بقي الجنوب جنوباً، ولما بقي لبنان لبناناً.
إن تفجير جبهة الجنوب خارج إطار المصلحة الوطنية اللبنانية يشكل خروجاً على المنطق الذي أسسه الإمام موسى الصدر وخيانة للخط السياسي الذي انتهجه ودافع عنه. فالإمام الصدر كان من أبرز الداعين إلى مقاومة الإحتلال والدفاع عن الأرض والإنسان. لكنه في الوقت نفسه كان يرفض رفضاً قاطعاً تحويل الجنوب ولبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين وحروبهم.
ومن هنا، لا بد من تذكير الجميع بموقف الإمام الصدر عندما تقرر تفجير الجبهة الجنوبية خدمةً لحسابات وأجندات تتجاوز المصلحة اللبنانية. يومها انتفض الإمام ووجّه انتقادات حادة لكل من ساهم في جرّ الجنوب إلى مواجهة يدفع اللبنانيون وحدهم أثمانها، محذراً من أن يتحول لبنان إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية، ومن أن يدفع أبناء الجنوب ثمن قرارات لا يملكون قرار اتخاذها.
لقد كان الإمام الصدر مؤمناً بأن الجنوب يجب أن يكون خط الدفاع الأول عن لبنان، لا ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. وكان يعتبر أن حماية لبنان وأهله هي الأولوية التي يجب أن تتقدم على أي اعتبار آخر، مهما كانت الشعارات المرفوعة أو القضايا المطروحة.
ولهذا، فإن استحضار فكر الإمام الصدر اليوم لا يكون بالاكتفاء برفع صوره وترديد أقواله، بل بالالتزام بجوهر مشروعه السياسي والوطني القائم على مقاومة الاحتلال من جهة، وحماية لبنان من الانزلاق إلى حروب الآخرين من جهة أخرى. لقد عارض الإمام موسى الصدر اتفاق القاهرة بشدة، لأنه رأى فيه خروجاً على منطق الدولة وضرباً للصيغة اللبنانية، وتحويلاً للبنان من وطنٍ سيدٍ مستقل إلى ساحة تُدار عليها صراعات الآخرين. وكان يؤمن بأن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُعالج على حساب لبنان ولا على حساب أمن اللبنانيين واستقرارهم.
د. ماجد محمد شرف الدين
جامعة مونتريال _ HEC