اليسار الذي دمّر لبنان باسم قضايا العالم… فتحوّل لبنان إلى ضحية أوهامه وبإسم “القضية”… ضاع لبنان،

 

إنّ أحد أكبر الأخطاء التي ارتُكبت في تاريخ لبنان الحديث كان تحويل هذا البلد الصغير، بتوازناته الدقيقة وتركيبته الحسّاسة، إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية تحت شعارات أيديولوجية كبرى تتجاوز قدرته ومصلحته الوطنية. فالتفكير اليساري العابر للحدود، الذي كان يعتبر أنّ لبنان “منصة للنضال العالمي” وقاعدة مفتوحة لكل قضايا المنطقة، لم يتعامل مع لبنان كوطن نهائي لشعب يريد الاستقرار والسيادة، بل كساحة مواجهة دائمة باسم الثورة والقومية والتحرير العالمي.
بدل أن يكون همّ الدولة حماية لبنان وبناء اقتصاده ومؤسساته وجيشه، جرى إقحامه في صراعات لا قدرة له على تحمّل نتائجها. فُتح الجنوب اللبناني أمام التنظيمات الفلسطينية بعد اتفاق القاهرة، وتحوّلت الأراضي اللبنانية إلى منصة لإطلاق الصواريخ وشنّ العمليات العسكرية، فيما كانت الدولة اللبنانية تتراجع تدريجياً أمام منطق “الساحة المفتوحة”. يومها، اعتبر كثيرون أنّ الدفاع عن “قضايا الأمة” يعلو على فكرة السيادة اللبنانية نفسها، وكأنّ لبنان مطالب دائماً بدفع ثمن الصراعات العربية والإقليمية من أمنه واستقراره واقتصاده ودماء أبنائه.
لكن النتيجة كانت كارثية. لبنان لم يتحول إلى قوة إقليمية، بل إلى بلد مستباح. الحروب تلاحقت، والاحتلالات تعددت، والانقسامات الطائفية تعمقت، والدولة انهارت تدريجياً. كل ذلك لأنّ البعض اعتقد أنّ بإمكان بلد صغير كلبنان أن يحمل أعباء العالم العربي وقضاياه الكبرى فيما هو عاجز حتى عن حماية وحدته الداخلية.
المشكلة لم تكن يوماً في دعم قضية عادلة أو التعاطف مع شعب مظلوم، بل في تحويل لبنان إلى أداة في صراعات الآخرين. هناك فرق كبير بين التضامن السياسي والإنساني، وبين توريط الوطن عسكرياً وأمنياً في نزاعات تفوق قدرته. الدول تُبنى على أساس المصالح الوطنية، لا على أساس الشعارات العاطفية أو الأوهام الثورية. وكل تجربة حاولت تجاوز هذه الحقيقة دفعت ثمنها الشعوب، ولبنان كان من أكثر الدول التي دفعت الثمن.
حتى اليوم، لا يزال لبنان يعاني من نتائج هذا التفكير الذي يرى أنّ الأولوية ليست للدولة اللبنانية بل للمحاور الإقليمية والمواجهات المفتوحة. فكلما دخل لبنان حرباً لا تخصه، خسر اقتصاده واستقراره وسيادته، فيما بقيت القوى الكبرى تتفاوض وتتفاهم فوق رؤوس اللبنانيين. الذين دعوا إلى “وحدة الساحات” و”المعارك المصيرية” لم ينجحوا في تحرير المنطقة ولا في بناء دولة قوية، بل ساهموا في تحويل لبنان إلى بلد منهك، معزول، ومهدد في كل مرة تتغير فيها موازين القوى الإقليمية.
لبنان لا يستطيع أن يعيش كقاعدة ثورية دائمة، بل كوطن نهائي لأبنائه. قوته ليست في أن يتحول إلى رأس حربة في كل نزاعات الشرق الأوسط، بل في أن يحافظ على حياده التام، وعلى مؤسساته، وعلى وحدته الداخلية، وعلى قراره الوطني المستقل. فالدول الصغيرة لا تنجو بالشعارات الكبرى، بل بالعقلانية السياسية، وبمعرفة حدود قدرتها، وبحماية مصلحتها الوطنية أولاً وأخيراً.

د. ماجد محمد شرف الدين
منسق مواد التحليل الاقتصادي

جامعة مونتريال – HEC

 

 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه ولا تعكس بالضرورة موقف التحالف الوطني اللبناني (LNA)

Picture of د. ماجد شرف الدين

د. ماجد شرف الدين

محلل وكاتب سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين