تقرير اقتصادي حول تداعيات التصعيد الأمني والإقليمي على الاقتصاد اللبناني

إعداد سوزان أبو زكي – اللجنة الإقتصادية – التحالف الوطني اللبناني

في هذا التقرير، نقرأ تداعيات التصعيد الأمني والإقليمي على الاقتصاد اللبناني من زاوية أوسع: ليس فقط بوصفها أزمة أسعار ومحروقات وتراجع سياحة واستثمار، بل كاختبار لقدرة الدولة اللبنانية على حماية الاقتصاد الهش، وصون القدرة الشرائية للناس، ومنع تحوّل الحرب والتوترات الإقليمية إلى موجة جديدة من الفقر والبطالة والانكماش.

 

يشهد لبنان مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية في ظل استمرار المواجهات على الجبهة الجنوبية بين إسرائيل و«حزب الله»، بالتزامن مع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وما يرافقه من توتر في المنطقة وتهديدات مرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية. وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه لبنان أساسًا من أزمة مالية ونقدية عميقة منذ عام 2019، ما يجعل الاقتصاد اللبناني أكثر هشاشة وتأثرًا بأي اضطراب أمني أو اقتصادي خارجي.

تأثير الحرب والتوترات الأمنية على الاقتصاد اللبناني

أدت المواجهات العسكرية والتوترات الأمنية إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد اللبناني، حيث تضررت الحركة السياحية والتجارية بشكل واضح، خصوصًا في المناطق الجنوبية والحدودية، كما ارتفعت المخاطر الاقتصادية وتراجعت ثقة المستثمرين.
ويأتي ذلك في وقت كان الاقتصاد اللبناني قد بدأ يسجل مؤشرات تعافٍ محدودة وبطيئة في بعض القطاعات، لا سيما السياحة والخدمات والاستثمارات الصغيرة، بعد سنوات من الانهيار المالي، إلا أن التصعيد الأمني الأخير أعاد حالة القلق وعدم اليقين وأبطأ مسار هذا التعافي الهش.
وقد انعكس ذلك على عدة قطاعات أساسية، أبرزها:

• تراجع النشاط السياحي وإلغاء العديد من الحجوزات.
• انخفاض الحركة التجارية في عدد من المناطق اللبنانية.
ارتفاع كلفة النقل والشحن والتأمين.
• تباطؤ الاستثمارات المحلية والخارجية.
• زيادة الضغوط الاجتماعية نتيجة النزوح الداخلي وتراجع فرص العمل.
• ارتفاع كلفة الإنتاج على المؤسسات الصناعية والزراعية والخدماتية.
• إقفال عدد من المؤسسات الخاصة أو تقليص نشاطها، مع تسريح موظفين أو تخفيض عدد العاملين، ما أدى إلى ارتفاع البطالة بشكل غير مباشر، وتهديد استمرارية قسم من الشركات الصغيرة والمتوسطة في حال استمرار الظروف الحالية لفترة طويلة.
كما ازدادت المخاوف من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الاستيراد، في ظل اعتماد لبنان بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين حاجاته الأساسية من الطاقة والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران

يشكل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران عاملًا إضافيًا يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي في المنطقة، خصوصًا مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وأي اضطراب في الملاحة البحرية أو إمدادات النفط يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، الأمر الذي ينعكس سريعًا على الدول المستوردة للنفط ومنها لبنان.
وقد شهدت أسعار النفط العالمية خلال الفترة الأخيرة ارتفاعات ملحوظة نتيجة المخاوف من تعطّل الإمدادات النفطية، ما أدى إلى زيادة أسعار المحروقات محليًا وارتفاع الضغوط التضخمية على الاقتصاد اللبناني.

ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياته على المواطنين

يعتمد لبنان بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات، ما يجعله من أكثر الدول تأثرًا بارتفاع أسعار النفط عالميًا.
وتشير بيانات أسعار المحروقات في لبنان إلى ارتفاع سعر البنزين بنحو 40% مقارنة بالفترة التي سبقت التصعيد العسكري والإقليمي، فيما ارتفع سعر المازوت بأكثر من 64% والغاز بحوالي 42%، ما أدى إلى موجة تضخمية واسعة انعكست على أسعار النقل والكهرباء والمواد الغذائية والخدمات الأساسية.
ولم يقتصر تأثير ارتفاع المحروقات على كلفة التنقل فقط، بل امتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والمعيشية، حيث ارتفعت كلفة تشغيل المولدات الكهربائية والإنتاج الصناعي والزراعي وأسعار الشحن والتوزيع، ما ساهم في زيادة الأعباء على المواطنين والمؤسسات في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة.
كما أدى ارتفاع فاتورة الاستيراد النفطية إلى زيادة الضغط على الدولار الأميركي وسعر صرف الليرة اللبنانية، ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين وفاقم معدلات التضخم والفقر.
التداعيات الاجتماعية والإنسانية
إلى جانب التداعيات الاقتصادية المباشرة، يواجه لبنان تحديات اجتماعية وإنسانية متفاقمة نتيجة تراجع التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية.
وتشير المعطيات إلى انخفاض التمويل الإنساني العالمي من نحو 50 مليار دولار إلى 23 مليار دولار، فيما يبلغ التمويل الحالي المخصص للبنان حوالي 250 مليون دولار فقط، مقارنة بنحو 700 مليون دولار خلال الحرب السابقة.
ويعني ذلك أن لبنان قد يواجه أزمة إنسانية ومعيشية أكبر بموارد مالية أقل، ما يزيد الضغوط على الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى اعتماد استراتيجية للدمج الاقتصادي والاجتماعي، تقوم على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الصغير، بهدف نقل المتضررين والنازحين من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية إلى الانخراط التدريجي في سوق العمل والإنتاج.
إلا أن نجاح أي خطة اقتصادية أو اجتماعية يبقى مرتبطًا بوجود بيئة مستقرة وآمنة، تضمن للمواطنين الشعور بالأمان الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، بما يسمح بإعادة بناء الثقة بالدولة والمؤسسات وتحقيق الاستقرار المجتمعي الضروري لأي نهوض اقتصادي مستدام.
المخاطر الاقتصادية المستقبلية
في حال استمرار التصعيد الإقليمي، قد يواجه لبنان تحديات إضافية خلال المرحلة المقبلة، أبرزها:
• مزيد من الارتفاع في أسعار النفط والطاقة.
• زيادة معدلات التضخم والفقر والبطالة.
• تراجع التحويلات والاستثمارات الخارجية.
اضطراب حركة الاستيراد والتصدير والشحن.
• ارتفاع العجز التجاري والضغط على احتياطات العملات الأجنبية.
• تراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية والاستجابة الاجتماعية.
كما أن استمرار التوترات في المنطقة قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي وتراجع النشاط الإنتاجي، في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من ضعف البنية الاقتصادية والمالية.

في المحصلة، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات مركبة نتيجة تداخل الأزمة الداخلية مع التصعيد الإقليمي والدولي، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين والدولة في آنٍ معًا.
فارتفاع أسعار النفط والمحروقات، إلى جانب تراجع التمويل الإنساني واستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني، أدى إلى موجة تضخمية واسعة وانخفاض إضافي في القدرة الشرائية وتزايد الضغوط المعيشية على اللبنانيين.
وفي ظل غياب الإصلاحات الاقتصادية واستمرار هشاشة الوضع المالي والنقدي، تبدو الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات اقتصادية واجتماعية متكاملة، تقوم على تعزيز الاستقرار الداخلي، دعم القطاعات الإنتاجية، حماية الفئات الأكثر ضعفًا، واستعادة الثقة بالدولة والمؤسسات.
ويبقى مستقبل الاقتصاد اللبناني مرتبطًا إلى حد كبير بمسار التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة، وبقدرة الدولة اللبنانية على إدارة الأزمة الحالية والحد من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.

 

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين