لبنان كرهان رقمي: حين تتحول الحرب إلى فرصة ربح

 

 

في عالمٍ رقمي يتسارع بلا حدود، لم تعد الحروب والأزمات الإنسانية محصورةً في ساحات السياسة والإعلام فحسب، بل باتت تشقّ طريقها إلى فضاءات جديدة أشدّ إثارةً للجدل: أسواق “التنبؤ” الرقمية التي تتيح للمستخدمين المضاربةَ على نتائج الأحداث العالمية. ولم يعد هذا الأمر هامشياً أو نخبوياً، بل بات ظاهرة متنامية تستقطب ملايين الدولارات وملايين المستخدمين حول العالم.

من بين هذه المنصات تبرز *Polymarket*، وهي سوق إلكترونية لامركزية تقوم على تقنية السلسلة الرقمية (Blockchain)، وتتيح المراهنة على احتمالات الأحداث المستقبلية، من الانتخابات والسياسة والاقتصاد إلى النزاعات الدولية والكوارث الطبيعية. وقد شهدت أحجام تداول ضخمة خلال الانتخابات الأمريكية عام 2024، مما يدل على أنها لم تعد مجرد تجربة تقنية، بل سوق مالية حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من ثقل. ورغم تقديم هذا النموذج باعتباره أداةً لقياس التوقعات الجماعية، فإنه يفتح باباً واسعاً للنقاش الأخلاقي حين تتقاطع هذه الرهانات مع الحروب والمآسي الإنسانية.

من التوقع إلى المضاربة على الألم

الفكرة في جوهرها تبدو تقنية وبريئة: مستخدمون يشترون “أسهماً” في نتائج محتملة، ترتفع قيمتها أو تنخفض بحسب تحقّق الحدث. ويقول المدافعون عن هذا النموذج إنه يجمع الحكمة الجماعية ويحوّلها إلى مؤشر موضوعي أكثر دقة من استطلاعات الرأي التقليدية، لأن المال يجعل المشاركين أكثر جدية وحرصاً على المعلومة الصحيحة.

غير أن الإشكالية تبدأ حين تتحول الأحداث السياسية والعسكرية إلى عناوين قابلة للتداول المالي. في مثل هذه البيئات تغدو الحروب سيناريوهات يُراهَن عليها: هل تقع مواجهة؟ هل تتوسع الحرب؟ هل يتحقق اتفاق هدنة؟ هل يُقتل قائد؟ وكل سؤال من هذه الأسئلة يحمل خلفه أرواحاً بشرية حقيقية تتحول في لحظة إلى رقم على شاشة.

وهنا يطرح السؤال الأخلاقي نفسَه بقوة: *أين ينتهي التوقع ويبدأ الاستثمار في الألم؟*

لبنان في مرمى العدسات الرقمية

فلبنان ليس مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل بلد يعيش تقاطعاً استثنائياً بين الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، مما يجعله مادة دسمة لأسواق التنبؤ التي تتغذى على حالات عدم اليقين.

وحتى لو لم تكن ثمة رهانات مباشرة على ضحايا أو دماء المدنيين، فإن مجرد إدراج النزاعات كأدوات للتداول يخلق شعوراً بأن المأساة باتت رقماً داخل سوق. يصبح قصف الضاحية سؤالاً بنعم أو لا، وتصبح الهدنة رهاناً بالدولار، وتصبح معاناة مئات الآلاف من النازحين مجرد متغير في معادلة ربح وخسارة.

هذا التحول الرمزي خطير، لأنه يُعيد صياغة الحروب بلغة الاحتمالات والأرباح والخسائر، ويُرسّخ نظرة برودة حسابية تجاه المآسي الإنسانية بدل أن تبقى قضيةً تستدعي التضامن والمساءلة.

إشكالية أخلاقية عالمية

الدفاع عن هذه المنصات يقوم على حجج عدة: أنها تعكس توقعات السوق بموضوعية، وتساعد في فهم الاتجاهات المستقبلية، وتوفر سيولة معلوماتية لا تستطيع وسائل الإعلام التقليدية توفيرها. بل يذهب بعضهم إلى أن تقييدها لن يوقفها بل سيدفعها إلى الظل.

لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين أن تتابع الحرب مواطناً قلقاً أو صحفياً باحثاً، وبين أن تتابعها مستثمراً يأمل في ربح. الأول يسعى إلى الحقيقة، والثاني يسعى إلى التوقع الصحيح بغض النظر عن طبيعة الحدث وحجم معاناته. وحين تصبح المآسي قابلة للتداول، تتحول المعاناة إلى بيانات على شاشة، وتفقد الحرب بُعدها الإنساني تدريجياً في الوعي الجمعي.

بين الحرية الرقمية والمسؤولية الأخلاقية

السؤال الجوهري اليوم ليس فقط عن قانونية هذه المنصات، بل عن حدود المسؤولية في الاقتصاد الرقمي الجديد. هل كل ما يمكن التنبؤ به يجوز المراهنة عليه؟ وهل من المقبول أن تدخل الحروب، بما فيها الحرب على لبنان، في دائرة الفرص الاستثمارية ولو بشكل غير مباشر؟

تحويل الحروب إلى أسواق، حتى بشكل رمزي، يفرض وقفةً جدية على المجتمعات والحكومات والإعلاميين: *ليس فقط لفهم التكنولوجيا، بل لحماية المعنى الإنساني من أن يُختزل في أرقام.*

———————————–
المصدر:
– الموقع الرسمي: polymarket.com
– تقارير MIT Technology Review حول أسواق التنبؤ
– دراسات Oxford Internet Institute حول أخلاقيات الاقتصاد الرقمي.

Picture of سوزان أبو زكي

سوزان أبو زكي

رئيسة اللجنة الإقتصادية في التحالف الوطني اللبناني

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين