فرصة لبنان التي لم تكتمل

استعادة السيادة تحتاج إلى قرار يحمي اللبنانيين، وخطة تنقل الدولة من إعلان سلطتها إلى ممارستها.

كم فرصة يستطيع لبنان أن يخسر قبل أن يصبح الأمل عبئاً على أهله؟ خلف البيوت المهدّمة، والقرى التي تنتظر عودة سكانها، والإرهاق الذي خلّفته الحروب، يبرز سؤال يتجاوز الحزن: كيف يستعيد بلدٌ قراره، فيما تبقى قدرته على حماية مواطنيه أضعف من قدرة الآخرين على تعريضهم للخطر؟

يحتاج لبنان إلى إجابة عملية تحدّد كيف تنسحب إسرائيل، وكيف تبسط الدولة سلطتها، وكيف تُعالَج مسألة سلاح حزب الله، وكيف يعود المتضرّرون إلى منازلهم ضمن حماية مؤسسات قادرة على تحمّل مسؤولياتها. فهذه الاستحقاقات مترابطة، لكن ترابطها لا يجوز أن يصبح ذريعة لتعليقها جميعاً.

لقد أتاح اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024 فرصة لبناء مسار مختلف. وبحلول 18 شباط 2025، كانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت من المراكز السكانية في الجنوب، مع احتفاظها بخمس نقاط على امتداد الخط الأزرق. كان الانسحاب واسعا لكنه بقي ناقصاً، وكان استكماله، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، هدفاً ينبغي تثبيته والبناء عليه.

لم تكن المرحلة التالية خالية من الاعتداءات؛ فقد استمرّت الضربات الإسرائيلية بعد الاتفاق. لكن قرار حزب الله فتح الجبهة مجدداً في 2 آذار 2026، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، شكّل منعطفاً خطيراً، أعقبه هجوم إسرائيلي جوي وبري. وهكذا انتقل لبنان من المطالبة باستكمال الانسحاب إلى مواجهة توسّع العمليات العسكرية والاحتلال في الجنوب.

هنا تصبح المساءلة واجبة: بأي حق يُحمَّل لبنان كلفة الرد على اغتيال قائد إيراني؟ ومن منح جهة مسلّحة صلاحية اتخاذ قرار بهذه الخطورة، خارج مؤسسات الدولة ومن دون موافقة اللبنانيين الذين سيتحمّلون نتائجه؟

إذا اختار حزب الله القتال من أجل إيران، فلماذا يجعل لبنان منطلقاً لهذا الخيار؟ ولماذا لا يتحمّل تبعاته من داخل إيران، بدلاً من تعريض القرى اللبنانية وسكانها لجولة جديدة من الدمار؟ إن ارتباط أي تنظيم بقضية إقليمية لا يمنحه حق استخدام بلد بأكمله ساحةً للرد.

ثم إن وصف ما جرى بأنه «انتقام» لا يعفيه من التقييم. فالعمل العسكري يُقاس بأهدافه ونتائجه وكلفته: ما الضرر الذي ألحقه بالجهة المستهدفة؟ وما التغيير الذي أحدثه في سلوكها؟ وهل تتناسب حصيلته مع الخسائر التي تحمّلها المجتمع الذي انطلق منه؟

من دون إجابات واضحة، يبقى الانتقام عنواناً سياسياً يحتاج إلى إثبات. ولا يجوز الجزم بالنوايا الخفيّة من دون أدلّة، لكن من حق اللبنانيين محاسبة القرار على نتائجه، ورفض اختزال خسائرهم في خطاب يطالبهم بالتحمّل كلما اتّسعت الفجوة بين الوعود والواقع.

وتبقى إسرائيل مسؤولة عن قراراتها العسكرية واحتلالها وأي انتهاكات ترتكبها. فمسؤولية حزب الله عن فتح الجبهة لا تُسقط مسؤوليتها، كما أن اعتداءاتها لا تمنحه تفويضاً دائماً باتخاذ قرار الحرب. حماية لبنان تقتضي مساءلة كل طرف عن أفعاله، بعيداً عن استخدام مسؤولية أحدهما لتبرئة الآخر.

غير أن نقد قرار حزب الله لا يكفي لبناء بديل. فالدولة مطالَبة بأن تشرح كيف ستستعيد سلطتها، وبأن تثبت قدرتها على ذلك. وحصر السلاح بمؤسساتها هدف أساسي، لكن تنفيذه يحتاج إلى تقدير دقيق للمخاطر. فتراجع قوة مسلّحة في مواجهة جيش خارجي لا يعني زوال قدرتها على إحداث اضطراب داخلي. ولهذا، فإن تحميل الجيش وحده مسؤولية الحسم، من دون غطاء سياسي وإمكانات كافية، قد يعرّض المؤسسة العسكرية والاستقرار العام لمخاطر جسيمة.

في المقابل، لا يجوز أن تتحوّل خشية الصدام إلى قبول دائم بالعجز. فالتدرّج الجاد يحتاج إلى بداية معلنة، ومراحل محدّدة، ومواعيد للمراجعة، ومعايير تتيح معرفة ما أُنجز وما تعثّر. أما التدرّج الذي لا يغيّر شيئاً، فيمنح الوضع القائم وقتاً إضافياً للاستمرار.

تستطيع الدولة أن تبدأ من خطوات يراها المواطن. فخطة متواصلة لجعل بيروت خالية من السلاح غير الشرعي والمظاهر المسلحة يمكن أن تقدّم نموذجاً عن الحزم، شرط تطبيقها على الجميع. ويظهر نجاحها حين تُمنع المواكب المسلحة، وتُلاحَق جرائم إطلاق النار، ويُحمى المبلّغون عن التهديد، وتستمرّ الملاحقة القضائية رغم التدخلات.

عندما لا يعود خلاف في أحد الأحياء قابلاً للتحوّل إلى اشتباك، وعندما يعجز صاحب النفوذ عن طيّ ملف باتصال هاتفي، يبدأ المواطن بتصديق أن الدولة قادرة على حمايته. فالثقة تُبنى بهذه الوقائع اليومية، وبشعور الناس أن القانون يشمل الأقوياء أيضاً.

وفي الجنوب، يمكن اعتماد منطقة أولى تسمح ظروفها بتطبيق نموذج متكامل: مسؤولية أمنية واضحة للمؤسسات الشرعية، ومنع الوجود المسلّح خارجها، وتنسيق مع البلديات، وخدمات تساعد السكان على الاستقرار. ويُقاس نجاح التجربة بانخفاض الحوادث، وسرعة الاستجابة للشكاوى، وقدرة الأهالي على الوصول إلى القضاء والخدمات. ثم تتوسّع وفق خطة وطنية، حتى لا تبقى جزيرة محدودة داخل واقع مختلف.

ويتطلّب ذلك مساراً تفاوضياً وأمنياً يستكمل الانسحاب الإسرائيلي ويعالج نقاط الخلاف الحدودي. ويمكن تنظيم التنفيذ عبر مراحل مترابطة: إخلاء موقع، وانتشار الجيش فيه، والتحقّق من الالتزامات، ومنع عودة الوجود المسلّح خارج الدولة، مع آلية واضحة لمعالجة الخروق.

تتيح هذه المقاربة تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتعثّرين. كما تمنع تحوّل كل استحقاق إلى شرط مستحيل يسبق الاستحقاق الآخر. فلا يبقى الانسحاب معلّقاً إلى أجل غير معلوم، ولا يصبح بسط سلطة الدولة وعداً ينتظر تسوية شاملة قد تتأخّر سنوات.

وفي هذا المسار، تحتلّ إعادة الإعمار موقعاً أساسياً. فتعليق حياة المتضرّرين إلى حين حلّ جميع الخلافات يعاقبهم على مأزق لا يملكون حسمه، ويترك المجال مفتوحاً لتحويل حاجتهم إلى وسيلة نفوذ سياسي.

يمكن البدء، حيث تسمح الظروف، بإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وفتح الطرق، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، ومسح الأضرار، ووضع قواعد عادلة للتعويض. وتحتاج العائلة التي خسرت منزلها إلى معرفة موعد الكشف، وأساس احتساب المساعدة، والجهة المسؤولة عن الدفع، وسبيل الاعتراض إذا حُرمت حقها.

هذه التفاصيل تحدّد علاقة المواطن بدولته. فحين تصل المساعدة بوصفها حقاً واضحاً يخضع للرقابة، تتراجع حاجة الناس إلى طلب الحماية والخدمات عبر الولاءات السياسية.

وقد يحتاج الجيش إلى دعم دولي أكبر لتولّي مسؤولياته. وأي مقترح لقوة متعددة الجنسيات تعمل إلى جانبه يجب أن يُبحث على أساس مهمة محدّدة، وصلاحيات واضحة، والتزامات فعلية من الدول المشاركة. وتُقاس قيمة هذا الدعم بما يضيفه إلى قدرة المؤسسات اللبنانية على حماية المدنيين وتنفيذ الاتفاقات، مع بقاء الدولة صاحبة القرار والطرف المعني بالتفاوض والمساءلة.

ليس ضرورياً أن ينتظر لبنان اتفاق سلام شامل كي يبدأ استعادة سيادته. يمكن أن تبدأ الخطوات بانسحاب يُنفَّذ، وموقع يتسلّمه الجيش، وقرية يعود أهلها بأمان، وسلاح مخالف يُضبط، وحكم قضائي يُنفَّذ، وتعويض يصل إلى مستحقّه.

لقد استُنزفت ثقة اللبنانيين كلما اتُّخذت القرارات المصيرية خارج مؤسساتهم، وكلما عجزت هذه المؤسسات عن الوفاء بوعودها. واستعادة هذه الثقة تتطلّب أن يخضع قرار الحرب والسلم للدولة، وأن تخضع الدولة بدورها للمحاسبة.

عندها يصبح للأمل أساس يمكن الدفاع عنه: مواطن يعرف من يحميه، وحكومة تشرح ما أنجزته، ومؤسسات تستطيع تنفيذ قراراتها. تلك هي الفرصة التي يحتاج لبنان إلى إكمالها، قبل أن يدفع أهله ثمن ضياعها مرة أخرى.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد الأسطوري الوطني اللبناني: تحويل الإسبان إلى بيت منظمة، وإعداد جيل جديد بقوة لا تكاد تقاوم الانهيار، بل تستعد لتتحمل مسؤولية قيادة الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول مقاومة ودائع الرببانيين ومواجهة النهب للضوء ـ المقاومة: التصعيد خيارنا | دبابات المعاناة قصيدة الليطاني ومعركة النبطية تقترب | أطلق العنان لمبادرته التربوية من مجتمع متعاف وموحد |