كيف أثرت الحرب على المشهد الثقافي في بيروت؟

بيروت مدينة أنهكتها الحرب، لكن المشهد الثقافي يعاند ويصمد، فالثقافة في لبنان تمنح اللبنانيين ملاذا أمنا، وتحاول أن تملأ الفراغ والخراب الذي ابتكرته السياسة والاقتصاد. الثقافة تهبُ للبنان معناه الخاص، تحاولُ ذلك رغم أنّها ليست قطاعاً اقتصادياً متكاملاً بل هي فقط شبكة من المصالح الخاصة والمبادرات الفرديّة والجماعيّة التي تعمل خارج منطق السياسة.

ورق بسعر الخبز

الناشرة نسرين كريدية من دار النهضة العربية اعتبرت ان اجتماع الناشرين نتج عنه قرار بتجميد إصدار كتب جديدة بسبب إلغاء معظم المعارض في لبنان وعدد كبير من الدول العربية إلا فيما ندر، كمعرض الدوحة الذي سيقام كنوع من الصمود والتحدي، ومعرضي المغرب وتونس. وترى أن هناك: “صعوبات تواجه دور النشر منها مشكلة ارتفاع سعر الشحن وعدم توفر نقل كافي وارتفاع أسعار الورق 35%”. وحين سؤالها عن اللقاءات الأدبية فتشير إلى أنها: “لا زالت مستمرة على نطاق ضيق في بيروت بينما متوقفة كليا في الجنوب، فهناك محبون للثقافة والادب”.

ثقافة بنكهة الحرب

لم تكن المقاهي الثقافية في بيروت بعيدة عن أثر الحرب، إذ تبدّلت برامجها وتراجع روادها، وتحولت أمسياتها من مساحة للقاء والفن إلى مكان يطغى عليه حديث الحرب ومتابعة الأخبار. كثير من الأنشطة أُلغي، وبعض المقاهي جمّدت برامجها الثقافية والأدبية والشعرية والكوميدية وغيرها، فيما تغيّرت حتى طريقة تلقّي الأغاني والأعمال الفنية، بعدما باتت تُقرأ من زاوية الحرب وما خلّفته .

وفي هذا السياق، يوضح علي مكي، صاحب “كافيه تسعينيات” في فرن الشباك، أن معظم برامجه أُلغيت بفعل الحرب، علمًا أن البرنامج كان مُعدًّا مسبقًا لثلاثة أشهر. ويشير إلى أن النشاط الوحيد الذي أُقيم في المقهى كان أمسية لأغنيات أحمد قعبور، جاءت عقب رحيله المؤسف، وقد حضرها نصف رواد المقهى المعتادين، أي نحو 20 شخصًا.

لكن اللافت، بحسب مكي، أن نوعية الرواد اختلفت، وأصبح جو الحرب هو السائد. وحتى في أمسية أحمد قعبور، تناول الرواد الأغاني من زاوية الحرب. ويشير إلى أن التعاطي مع أغاني قعبور ارتبط بالحرب، لا سيما عند تشغيل أغنية “يا رايح صوب بلادي”، وهي أغنية فولكلورية ترتبط بالذكريات، لكنها تحولت إلى أغنية تذكّر بمأساة الجنوب.

بدوره، يلفت خضر عيسى، مدير مقهى “برزخ” في منطقة الحمراء، إلى أن برنامج المقهى كان يوميًا ويتضمن مختلف أشكال اللقاءات الثقافية، إلا أن الأنشطة توقفت كليًا، حتى إن عدد الرواد تراجع بشكل ملحوظ، ولم يعد هناك من سياح عرب أو أجانب إلا نادرًا. ومن خلال متابعته للعديد من الأماكن الثقافية، يشير عيسى إلى أن الحركة الثقافية مجمّدة، فالناس يعيشون اليوم ما يُعرف ب”حالة السعي للبقاء”.

عزلة تنتج شعرًا

في المقابل، يؤكد الشاعر محمود وهبة أن الحرب لم تؤثر على إنتاج دار “مرفأ” التي أسسها ويديرها. ويقول: “أرسلت إلى المطبعة ثمانية كتب وصدروا، لا بل كثّفنا إصداراتنا، لأن الإنسان في الحرب يرجع إلى أصله، فيتمسك بأشياء ذات قيمة ومعنى، كالأدب والشعر والنشر والثقافة، لأننا نعيش حالة عزلة ونحتاج إلى ملء هذا الفراغ الذي نعيشه”.

ويرى وهبة أن المشهد الثقافي هو آخر ما تبقى من صور هذه المدينة، مشيرًا إلى أنه يعمل على مجموعة شعرية جديدة. ويقول: “تفرغت لكتابة المجموعة خلال الحرب، ووضعت لها قوامها النهائي”، ويضيف: “الحرب أعطتني متسعًا للتفكير والقراءة، ومتسعًا للهروب من الخارج والدخول أكثر إلى ذاتي، نتيجة الخوف ودمار منزلي في القرية في جنوب لبنان”.

الكتابة كل ما أملك

في السياق ذاته، اختار الشاعر والروائي نبيل مملوك أن يطبع مجموعته القصصية “دراجة الفيلسوف” ويصدرها خلال الحرب عن دار مرفأ، في رسالة إلى الناس بأنه لن يتوقف عن التحدث بلغة الأدب، وعن إنتاج شيء إنساني وطبيعي في ظروف غير طبيعية. ويلفت مملوك إلى أنه لا يزال يزاول عمله الثقافي بشكل اعتيادي، سواء من خلال توقيع كتابه أو إلقاء الشعر في الأمسيات الشعرية.

ويعتبر، في تصريحه، أن “غريزة البقاء ترتفع إبان الحروب، وليس بالضرورة أن يكتب الكاتب عن الحرب، بل قد تفيض قريحته بمواضيع مختلفة”. ويشير إلى أنه، ككاتب، لا يعرف أن ينتج شيئًا آخر غير الكتابة والتعبير، لذلك فضّل الاستمرار في عمله، وحتى في كتابة يومياته عن الحرب على منصات التواصل الاجتماعي.

الحرب تربك الكتابة

تختلف علاقة الكتّاب بالحرب من شخص إلى آخر؛ فبينما يجد بعضهم في الكارثة دافعًا للكتابة والإنتاج، يعجز آخرون عن الإمساك بخيط التركيز وسط الخوف والدمار، فيما يختار بعضهم انتظار نهاية الحرب للتأمل فيها من مسافة أبعد وأكثر هدوءًا.

وعن تجربتها الشخصية، تشير الروائية لينا كريدية، أنها غير قادرة على التركيز في الكتابة، في وقت تحوم فيه المأساة والموت فوق اللبنانيين وقراهم ومنازلهم وأطفالهم، معتبرة أن قلة فقط يمكنها إنتاج إبداع في مثل هذه الظروف.

وعن قصف مدينة بيروت، تصرّح كريدية، بأن ذاكرة المكان مهمة جدًا بالنسبة إليها، لأنها تدقق في التفاصيل وترى ما لا تراه أعين كثيرين. وتقول إن رؤية مباني بيروت وطرقاتها ووجوه الناس وهي تنهار على مختلف المستويات، إضافة إلى تحولات المدينة وما يرافقها من ازدحام وبؤس، كلها تغيّرات تمسّها وتوجع قلبها.

نوبة قراءة!

تؤثر الحرب في البشر أفرادًا وجماعات، إلا أنها، بالنسبة للكاتب فوزي ذبيان، تنعكس بشكل ذاتي وعميق على مزاج الكاتب ومسار كتابته. ويقول ذبيان: “بعد نحو أسبوع على اندلاع الحرب، وجدت نفسي في خضم نوبة من شراء الكتب، أحيانًا بما يفوق قدراتي المادية… ثم انسحبت هذه النوبة على القراءة بشكل قلما أعايشه عادة. ولا أعرف لماذا وجدت نفسي منكبًا بشكل خاص على كتب التاريخ الثقافي والنقد الأدبي”. ويضيف: “كأنني عبر هذا الترف في القراءة، إذا صح التعبير، أحاول الهروب من أخبار الحرب وويلاتها”.

في ما يتعلق بالنشر تحديدًا، وعطفًا على تجربته الشخصية، يعتبر ذبيان أن حركة النشر في بيروت ليست في حالها الطبيعية. ويقول في حديثه عبر الهاتف: “كان من المفترض أن تصدر روايتي (اسمي فوزي وعمري أربعة عشر عامًا) عن دار الجمل، إلا أنني طلبت من الناشر تأجيل إصدارها إلى حين انتهاء الحرب”. ويختم ذبيان بالقول إن الحركة الثقافية بعد الحرب ربما تشهد نشاطًا ملحوظًا، كنوع من ردّة الفعل.

خيبة أمل!

بمجرد إعلان الهدنة، بدأت المعارض بالإعلان عن افتتاح أبوابها وتنظيم معارض، بغضّ النظر عن الربح المادي أو التجاري، صرّحت الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى. لكنها تشير إلى أنه لا يمكن القول إن السوق في حالة جيدة، إذ أصابه بعض الركود، إلا أن المعارض ما زالت قائمة، وهذه الحركة تُعدّ نوعًا من عدم الاستسلام وإرادة الحياة. وعلى الصعيد الشخصي، تقول مرتضى إن الحرب دفعتها إلى العمل بشكل مضاعف، مضيفة: “لا أعرف السبب الذي منحني كل هذه الطاقة”.

وتوضح أن معرضها الشخصي كان من المقرر أن يُقام في بداية آذار، إلا أن اندلاع الحرب أدى إلى تأجيله، وهو ما شكّل خيبة أمل بالنسبة لها. لكنها ترى في المقابل جانبًا إيجابيًا يتمثل في أنها وجدت مزيدًا من الوقت للعزلة والعمل على لوحاتها، رغم أن حالتها النفسية ليست جيدة بفعل ما يحيط بالبلد والناس.

Picture of فراس حمية

فراس حمية

كاتب وصحافي

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين