د. ماجد شرف الدين
وتضمنت قراءة التاريخ المقارن أن ازدهار الحضارات لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على كاملها من التربية، والتأهيل، والعلم، والكمال، وتنظيم اليمن. بينما تتآكل هذه الركائز، تبدأ من الداخل من قبل أن تظهر في شكل هزيمة خارجية. فالانحطاط التربوي يضعف الإنسان الصارم، والانحطاط الثقافي يُفقد المجتمع معاييره بشكل جيد، والانهيار الاقتصادي، الاستقلالية، أما الانحطاط السياسي فيُحوِّل الدولة إلى مزرعة بدل أن تكون إطاراً جامعاً.
في حالة لبنان، تنبه إلى هذا العامل بحكم موقعه الجغرافي عند مفترق الشرق والغرب، وكونه تاريخياً يتقلص حجم التبادل. فلبنان لم يكن يوما جزيرة معزولة؛ بل كان دائمًا في مزيج من السوائل أكثرية. لذلك، فإن أي ضعف داخلي تربوي أو تزايد أو يجعل من يجعله أكثر قابلية للاختراق الخارجي.
غير أن التاريخ اللبناني لا يختزل بسردية الغزو والانكسار فقط. فكما شهد العالم إخضاع وتعاقب قوى، وشهدت طاقته على إعادة إنتاج الذات: من مدن فينيقية حرية إلى مراكز ثقافية في العصر الحديث. الإشكالية ليست في تعاقب الحضارات بحد ذاتها وهذا قانونيًا تاريخ عام بل في قدرة المجتمع على الانتقال من موقع الإبداع إلى موقع الفاعل. فالحضارات لا تزول فجأة؛ إنها تضعف بسبب سوء نخبها حسّ المسؤولية، وتضعف فيها الضعف العام، وتتراجع عن الاستثمار في الإنسان.
وأخيرا، فإن ادعاء القوة في ظل تراجع تربوي واجتماعي واقتصادي سيتحول إلى أصول إنشائية لا يستند إلى قاعدة ثابتة. القوة الأساسية تبدأ من إصلاح المدرسة والجامعة، ومن الاستقلال والقضاء، ومن الاقتصاد المنتج، ومن ثقافة مدنية تُعلي شأن القانون على الولاء الضيق. من دون ذلك، يبقى في الدائرة التبعية، ويصبح المجتمع ودورات وتتكرر بأسماء مختلفة.
الحضارات والقوى التي مرت على لبنان (تعداد العام)
المدن الكنعانية – الفينيقية: حوالي 2000 ق.م – 539 ق.م
النفوذ الآشوري: حوالي 900 – 612 ق.م
النفوذ البابلي الحديث: 612 – 539 ق.م
الأمهات الأمينية: 539 – 332 ق.م
فتوحات الإسكندر الأكبر: 332 – 323 ق.م
الحكم السلوقي (العصر الهلنستي): 323 – 64 ق.م
الوسائط الجديدة: 64 ق.م – 395 م
الإمبراطورية البيزنطية: 395 – 636 م
النظرية الراشدة : 636 – 661 م
الدولة الأموية: 661 – 750 م
الدولة العباسية: 750 – 969 م
الإمارات الصليبية : 1099 – 1291 م
الدولة المملوكية: 1291 – 1516 م
الدولة العثمانية: 1516 – 1918 م
الانتداب الفرنسي وإعلان دولة لبنان الكبير: 1920– 1943م
بعد هذا التاريخ كان هناك رؤساء حاولوا بناء دولة: الرئيس كميل شمعون والرئيس فؤاد شهاب والرئيس بشير الجميل ولكنهم فشلوا ولازلنا محكومين بالفشل حتى يومنا هذا.
السؤال إذن ليس: من غزونا؟
بل: هل نحن في موقع إنتاج حضارة، أم في موقع نتوقع حضارة الآخرين؟
الحضارات لا تُستورد، بل تُبنى. وإذا كان الكامل هو القاعدة، فإن التاريخ لا يرحم الكاملات. قريبا سأملؤها فكرةً أو مشروعاً أو نفعاً. ونحن ننتظر الغزو، في أغلب الأحيان قد نكون غُزيت من الداخل قبل أن تصل إلى الخارج.
تصبح على وطن لم نستحقه مديريا
د. ماجد محمد شرف الدين
٢٥-٢- ١٢٢ جبهات