
ما وراء الخبر
ما يصدر اليوم من صور والنبطية وقرى الحدود ليس مجرد بيانات محلية أو صرخات عابرة. هو تعبير واضح عن خوف حقيقي يتوسع في الجنوب، وعن إحساس متزايد لدى الناس بأن حياتهم وبيوتهم وقراهم باتت مهددة بأن تتحول إلى ساحة مفتوحة للحرب والنزوح والعزل.
في لحظات كهذه، لا يعود السؤال سياسيًا فقط. يصبح السؤال أبسط وأقسى: كيف يبقى الناس في بيوتهم؟ كيف تصل العائلات إلى الدواء والغذاء؟ كيف تبقى القرى متصلة بلبنان؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المدنيين قبل فوات الأوان؟
ما يتبلور اليوم هو صوت أهلي جديد، يقول إن حماية الأرض لا تكون بتعريض أهلها للخطر، وإن وقف الحرب لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية ووطنية.
في الساعات الأخيرة، برزت ثلاثة مؤشرات لافتة.
الأول، دعوات من أهالي وسكان صور والنبطية وجوارهما تطالب الحكومة اللبنانية بإطلاق تحرك دبلوماسي عربي ودولي عاجل لحماية المدينتين من التدمير والاعتداءات، مع تعزيز حضور الجيش اللبناني والقوى الأمنية داخلهما وفي محيطهما، وطرح فكرة إعلانهما “مدنًا مفتوحة” خالية من السلاح، بما يسمح بعودة الأهالي وتأمين الحماية للنازحين.
الثاني، نداءات من أبناء قرى إبل السقي، دبين، مرجعيون، جديدة مرجعيون، القليعة، برج الملوك، ودير ميماس، تطالب بتأمين ممرات إنسانية آمنة وثابتة بعد انقطاع الطرق عبر الحاصباني والخردلي، ما يهدد بعزل هذه البلدات عن الداخل اللبناني وعن خطوط الإمداد والخدمات الأساسية.
الثالث، بروز خطاب سياسي واجتماعي أكثر وضوحًا يطالب بخيار السلام، لا باعتباره استسلامًا، بل باعتباره طريقًا لحماية الناس، ووقف التدمير، واستعادة قرار الدولة على كامل أراضيها.
على السطح، تبدو هذه التحركات ردًا مباشرًا على التصعيد العسكري والخوف من توسع العمليات الإسرائيلية نحو صور والنبطية ومناطق جنوبية أخرى.
لكن تحت هذا السطح، هناك شيء أعمق. الناس لم تعد تسأل فقط: من يقصف؟ بل بدأت تسأل أيضًا: من قرر أن نعيش هذه الحرب؟ من يفتح الطريق إذا قُطع؟ من يؤمّن الدواء إذا عُزلت القرى؟ من يعيد النازحين؟ ومن يمنع أن تتحول البلدات إلى جزر محاصرة؟
هذه الأسئلة تكشف أن النقاش بدأ يخرج من الشعارات الكبيرة إلى التفاصيل التي تمس حياة الناس مباشرة: الطريق، البيت، المستشفى، الخبز، الدواء، المدرسة، والأمان.
يعني أن الحرب بدأت تخلق معارضة جديدة من داخل البيئة المتضررة نفسها. ليست بالضرورة معارضة حزبية أو منظمة، بل معارضة أهلية طبيعية، نابعة من الخوف على الحياة ومن الإحساس بأن الناس تُترك وحدها في مواجهة الخطر.
هذه المعارضة لا تبدأ من الكتب ولا من النظريات. تبدأ من عائلة لا تستطيع العودة إلى منزلها، ومن قرية تخاف أن تنقطع عن محيطها، ومن مدينة تاريخية تخشى أن تُدمّر، ومن نازح يريد فقط أن يعود إلى مكان آمن لا إلى منطقة عسكرية مفتوحة.
المطلب هنا ليس سياسيًا فقط. هو مطلب بقاء.
لأن ما يجري في الجنوب لم يعد شأنًا جنوبيًا فقط. إذا تُركت صور والنبطية والقرى الحدودية تحت ضغط النار والعزل والنزوح، فإن الأزمة ستتمدّد إلى كل لبنان.
كل قرية تُعزل تعني موجة نزوح جديدة.
كل طريق تُقطع تعني ضغطًا إضافيًا على المدن والبلدات التي تستقبل النازحين.
كل منطقة تُفرغ من أهلها تعني جرحًا اجتماعيًا وديمغرافيًا طويل المدى.
وكل تأخير رسمي يعني تراجعًا إضافيًا في ثقة الناس بالدولة.
الخطر الأكبر أن يتحول الجنوب من أرض لبنانية مأهولة إلى مساحة تفاوض بالنار، تُرسم حدودها بالقصف والعمليات العسكرية بدل أن تحميها السيادة والقانون والمؤسسات.
من يدفع الثمن؟
المدنيون أولًا.
أهالي صور والنبطية، أبناء القرى الحدودية، النازحون، كبار السن، الأطفال، المرضى، والمزارعون الذين يعيشون من أرضهم ويرتبطون بطريق وبئر ومستشفى ومدرسة وخدمة يومية.
هؤلاء لا يستطيعون انتظار نهاية الحسابات الإقليمية. بالنسبة إليهم، وقف النار ليس بندًا في مفاوضات بعيدة، بل حاجة يومية كي تستمر الحياة.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة أكبر. عندما تتأخر المؤسسات، لا يبقى الناس أمام جهة تحميهم، بل أمام الخوف، والشائعات، والعزلة، والتهجير.
العقدة أن لبنان عالق بين خطرين.
الخطر الأول هو الاعتداء الإسرائيلي الذي يوسّع الضغط العسكري ويحاول فرض وقائع جديدة على الأرض.
الخطر الثاني هو غياب القرار الوطني الواحد، حيث لا تزال الدولة عاجزة عن أن تكون المرجعية الوحيدة لقرار الحرب والسلم، وعن تحويل حماية المدنيين إلى خطة فعلية لا إلى موقف إعلامي فقط.
بين هذين الخطرين، يشعر المواطن أنه مكشوف. إسرائيل تضرب وتضغط وتفرض شروطها، والسلاح خارج الدولة يجعل لبنان عاجزًا عن التفاوض كدولة واحدة واضحة القرار.
لهذا يصبح مطلب السلام، في هذه اللحظة، مطلبًا سياديًا وإنسانيًا في آن واحد.
تبلور معارضة جديدة تطالب بخيار السلام
اللافت أن خطاب السلام لم يعد محصورًا ببعض النخب أو المجموعات السياسية. بدأ يخرج من قلب الناس الذين يدفعون كلفة الحرب مباشرة.
هذا لا يعني أن الناس تخلّت عن حقها في السيادة أو في رفض الاعتداءات الإسرائيلية. بالعكس. هو يعني أن وعيًا جديدًا يتشكل: لا يمكن الدفاع عن الأرض إذا كان أهلها يُهجّرون منها، ولا يمكن حماية الجنوب إذا كان سكانه يعيشون بين الخوف والعزل والنزوح.
المعارضة الجديدة التي تتبلور لا تطالب بلبنان ضعيف، بل بدولة أقوى. دولة تملك قرارها، وجيشًا حاضرًا، ومؤسسات مسؤولة، وسيادة لا تتقاسمها أي قوة خارج الشرعية.
هي ضد الاحتلال الإسرائيلي، وضد استخدام لبنان كساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
ضد العدوان، وضد اختطاف قرار الحرب.
ضد التهجير، وضد تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوض.
ضد الفوضى، ومع الدولة.
فهل ستتحرك الحكومة اللبنانية بسرعة لحماية صور والنبطية والقرى الحدودية، أم ستبقى النداءات الأهلية أعلى صوتًا من الدولة؟
هل سيتم فتح ممرات إنسانية فعلية وثابتة للقرى المهددة بالعزل، أم سيُترك السكان تحت ضغط الجغرافيا والنار؟
هل يتحول خطاب السلام داخل الجنوب إلى موقف وطني منظم، أم يبقى صرخات متفرقة تصدر عند كل موجة خوف؟
وهل ستتعامل القوى السياسية مع هذه النداءات كصرخة مشروعة لحماية الناس، أم ستلجأ إلى التخوين لأنها لا تريد سماع صوت يرفض الحرب المفتوحة؟
التحالف الوطني اللبناني ينطلق من أولوية واضحة: حماية الناس، وقف التدمير، تثبيت الاستقرار، وعودة الدولة كمرجعية وحيدة للسيادة وقرار الحرب والسلم.
السلام هنا ليس ضعفًا.
السلام هو أن يبقى الناس في بيوتهم.
أن تبقى القرى متصلة بلبنان.
أن تبقى صور والنبطية مدن حياة لا ساحات حرب.
وأن يعود القرار الوطني إلى الدولة، لا إلى منطق السلاح أو النار أو التسويات التي تُرسم فوق رؤوس اللبنانيين.