من مربط الخيل إلى الدولة: أزمة السيادة في لبنان

كل بيان أو تصريح عن انسحاب إسرائيلي هو، في نظر نبيه بري، فخ أو لغم، ما لم يكن تنفيذاً لأمر سوري أو إيراني. هذا ليس تجديفاً. يذكر المتابعون موقفه من شعار جزين أولاً في التسعينات، حين عرضت إسرائيل انسحاباً جزئياً. وصف العرض بأنه فخ لأن النظام السوري فوجئ بالعرض وكلف مندوبيه في لبنان بتخوين المرحبين والتنديد بهم، كان سيمون كرم من بين الضحايا، وهو إبن جزين، الذي رأى فيه عرضاً مغرياً. النائب البعثي عبد الله الأمين شطب اسمه من لائحة المرشحين للانتخابات التالية، بسبب تصريح قال فيه إن الجيش اللبناني مستعد لملء الفراغ عند انسحاب العدو.
كان يمكن أن يفي بوعده وبعهده وأن يوافق على إعلان وقف إطلاق النار الصادر عن مفاوضات واشنطن، لكن النص، برأيه، مليء بالألغام. لو انتبه دولته إلى أن خاقاني الإيراني ونعيم قاسم اللبناني أعفياه من المهمة بعد أن سبقاه إلى إعلان الرفض، لتفادى استخدام هذا المصطلح، لأنهما جعلاه فاقد الصلاحية وفات أوانه.
هذا الموقف الممالئ دوماً لقوى في الداخل ولجهات خارجية يحرم رئاسة البرلمان من الدور الجامع الذي ينبغي أن تلعبه ويعطي الخصوم والمشككين فرصة النيل منها واتهامها بما هو أكثر إساءة من انتهاك الدستور. ولا تخدعنك شهادات ممالئة يتداولها سياسيون وصحافيون تجعلك فوق الشبهات، لأن نتائج انتخابك رئيساً للمجلس تكذب الغاطسين في وحل المصالح وتمسيح الجوخ.
المواقف الملتبسة تجعل الدوافع تتوارى خلف جهل مقدس مشيد على معادلات مغلوطة خالية من المنطق، فتدفع الأتباع والمريدين إلى تبريرها وتفسيرها بالأوهام. فالنصر رهن بتدخل الملائكة، والآخر عدو لأنه آخر في المعتقد أو في الانتماء الحزبي، والتقيّة ملاذ آمن لتأويل المعاني والأفكار ولتخزين ازدواجية المعايير، واللائحة تطول.
من الالتباسات أن السلاح الحربي في يد المقاومين مرادف للبطولة والتضحية، لكنه في يد الميليشيات أداة للحرب الأهلية وتخريب الدولة وانتهاك السيادة وتدمير الوحدة الوطنية، فكيف إذا ترافق حمله مع سلاح الطائفية والمذهبية الفتاك؟! وعلى أي وجه وأي صورة علينا أن ننظر إلى المسلحين إذا كان واحدهم يقاوم المحتل الأجنبي والغريب في النهار ويواجه أخاه في المواطنية أو خصمه في العمالة ليلاً؟
الالتباس في معنى السلاح ودوره نابع من التباس المعنى بين الدولة والسلطة، وهو مرض لم ينج منه أحد من أصحاب الحل والربط في السياسة اللبنانية خصوصاً ممن مرابط خيولهم تقع خارج الحدود. الشيعية السياسية تختزل اليوم هذا الالتباس لأنها وحدها لا تخجل بمثل هذه المرابط والروابط، لكنها لا تكون وحدها حين يداهم خطر التغيير أطراف المنظومة الحاكمة الماضية وراء مشاريع التطرف الطائفي والإيديولوجيات الغيبية، ولذلك لا يترددون في الالتفاف حول رئيس البرلمان باعتباره “الضمانة” ثم في مخاصمته كأخ أكبر في تجمع أهل الممانعة وميليشياتها المسلحة وغير المسلحة، وكم من مرة ناشدناك أن تبقى الضمانة وتتفادى الاتهامات والوقوع في الخصومات!
الميليشيات وحدها تحتاج إلى مربط خيل خارجي لتأمين مساعدات مالية وعسكرية. أما الأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية فمرجعها الدولة والقانون. وما الخلط بين الهويتين الميليشيوية والحزبية إلا لتشويه معنى السيادة، سيادة الدولة على المال والسلاح. مال حرام كل مال يختلس من خزينة الدولة أو يتداول خارج علم الدولة وقنواتها ومؤسساتها، وكل سلاح خارج الشرعية هو ضد الدولة وضد السيادة. لذلك كان ينبغي أن يهدى انتصار المقاومة وسلاحها للدولة وللشعب اللبناني في عام التحرير، بدل أن يقدم استخدامه على طبق من فضة ذريعة لعودة الاحتلال.
الطريق إلى الدولة والسيادة لا يحتاج إلى كاسحة ألغام بل إلى التزام بأحكام الدستور، والدستور ليس وحياً يحتكر تأويله حاملو مفاتيح الجنة أو حامل مفتاح البرلمان

Picture of محمد علي مقلد

محمد علي مقلد

كاتب وباحث سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين