ندفع للدولة… ثم ندفع بدلا عنها! يا سيادة الرؤساء، أبن خطاب القسم؟

راتب لا يكفي، تعليم يرهق الأسرة، كهرباء تُدفع أكثر من مرة، ضرائب ورسوم تتزايد… والمواطن ينتظر أن تتحول الوعود إلى دولة تُنفّذ وتُحاسَب.

 

«راتبي خلص قبل نصّ الشهر… وبعدني ما دفعت كل شي!»

جملة تختصر حياة شريحة واسعة من اللبنانيين: أقساط، طبابة، كهرباء، مولد، إنترنت، ضرائب ورسوم… قائمة لا تنتهي، ودخل لا يلحق بها. فيبدأ المواطن بالاستدانة، أو الاعتماد على الأهل، أو تحويلات المغتربين، أو تأجيل الدفع. والسؤال البديهي: أي تعافٍ هذا الذي لم يصل بعد إلى راتبي؟

التعليم… قسط يُرهق الأسرة، وتلميذ يدفع ثمن أزمة لم يصنعها

في المدارس الخاصة، تحدثت لجان أهل عن زيادات في الأقساط تراوحت بين 15 و20%، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 30%، فيما تبررها الإدارات بارتفاع كلفة التشغيل. واعتبر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن الزيادات غير المبررة في عدد من المدارس غير مقبولة، داعيًا إلى تعزيز دور مجالس التحكيم التربوي وتعديل القانون 515. المطلوب ليس خفض مستوى التعليم، بل عدالة العلاقة بين المدرسة والأسرة، بحيث لا يتحول القسط إلى عبء يستنزف الدخل عامًا بعد عام.

أما المدرسة الرسمية، فهي المصيبة الكبرى، والمسؤولية فيها تقع أولًا وأخيرًا على الدولة. فالدولة تُبنى بالعلم والأمن، وإذا كان هذان القطاعان في الحضيض، فلا مستقبل لوطننا. فتراكمت على هذه المدرسة أزمة تلو أخرى: من ثورة تشرين 2019، إلى جائحة كورونا، إلى إضرابات الأساتذة المتتالية والمحقة نتيجة تراجع رواتبهم، وصولًا إلى الحروب والنزوح الذي اضطر عائلات نازحة إلى الاستقرار داخل المدارس نفسها لعدم توفر مراكز إيواء جاهزة. كل هذه الأزمات مجتمعة انعكست مباشرة على المدرسة الرسمية والتلميذ الرسمي: أيام التعليم الحضوري تقلّصت مرارًا، وحين ينقطع الكهرباء أو الإنترنت يتعطل التعليم عن بعد أيضًا، فقد يعجز الأستاذ عن إعطاء حصته الإلكترونية لشهر كامل، بينما يُحاسَب التلميذ إذا غاب للسبب نفسه. النتيجة تلميذ يدفع الثمن مرتين: مرة بنقص فعلي في المادة العلمية التي يفترض أن يتلقاها، ومرة بتقييم لا يأخذ هذا النقص بعين الاعتبار.

حذرت اليونيسف في تموز 2026 من أن نحو 340 مدرسة تضررت أو دُمّرت، بينها 17 دُمّرت بالكامل، وأن 100 ألف طفل معرضون لخطر فقدان التعليم، فيما تأثر تعليم أكثر من 250 ألف طالب جراء الحرب. نحن لا نطلب التساهل في التقييم، بل عدالة فيه: فالطالب الذي حُرم من التعليم بظروف خارجة عن إرادته لا يجوز أن يتحول ضعف الدولة إلى فشل شخصي يُحاسَب عليه. والمدرسة الرسمية، في ظل هذا الواقع، تحتاج إلى دعم حقيقي يمكّنها من أن تكون بديلًا فعليًا يخفف العبء عن الأهل، لا أن تبقى الحلقة الأضعف التي تدفع الأسر مكرهة نحو التعليم الخاص وأقساطه.

الكهرباء… ندفع للدولة ثم ندفع بدلًا عنها

لا يحصل المواطن اليوم في مناطق واسعة على أكثر من أربع ساعات يوميًا من كهرباء الدولة، وفاتورته لا تقتصر على الاستهلاك بل تضاف إليها رسوم وضرائب قد تفوق قيمته، مع فوترة متأخرة تُحمّل الأسرة أشهرًا متراكمة دفعة واحدة. ثم يدفع فاتورة المولد، وأحيانًا كلفة الطاقة الشمسية وصيانتها، ليجد نفسه يدفع للكهرباء الرسمية وبديلها معًا.

وفي الأيام الأخيرة، أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة بالتنسيق مع أمن الدولة حملة لضبط مخالفات أصحاب المولدات، شملت مصادرة عشرات المولدات وتوقيف عدد من أصحابها في بيروت وطرابلس وجبل لبنان والجنوب. خطوة إيجابية، لكنها تطرح السؤال المعتاد: هل هي إجراء مستدام ومبني على متابعة ممنهجة للشكاوى، أم حملة موسمية تخفت كالعادة، خصوصًا أن لا أحد يعرف حتى اليوم عدد الشكاوى المقدَّمة ولا نسبة ما عولج منها؟ المواطن لا يرفض دفع حق الدولة؛ لكنه يريد أن تكون الجباية مقابل خدمة، لا أن يتحمل كلفة الدولة وبديلها معًا.

البلديات والطرق… أين يذهب ما ندفعه؟

المواطن يدفع ضرائب ورسومًا ومخالفات، ويدفع أيضًا كلفة أعطال سيارته على طرق بلا صيانة. البلدية ليست صندوق جباية، والدولة ليست دائرة تحصيل أموال؛ المال العام يجب أن يتحول إلى نظافة وإنارة وطرق سليمة ومساحات عامة، لا أن يختفي بلا مقابل. ولا يمكن الحديث عن دور بلدي فعلي من دون التزام صارم بقوانين التنظيم المدني وقمع مخالفات البناء، ومن دون تعزيز الأمن داخل كل بلدية في مواجهة تصاعد السرقات، ولا سيما عمليات الاحتيال عبر الدراجات النارية التي باتت تستهدف السائقين في الشوارع. فالبلدية التي تجبي الرسوم مطالَبة أولًا بأن تحمي من يدفعها.

الاقتصاد والمصارف… تعافٍ لا يشعر به أحد، وثقة لا تُستعاد بالوعود

توقع البنك الدولي في 21 آب 2026 انكماش الاقتصاد اللبناني بنحو 6.4% خلال 2026، بعد نمو بلغ 4.2% في 2025، معتبرًا أن تجدد الصراع أطاح بالاستقرار الهش. فالاقتصاد لا يعيش بمعزل عن الأمن، وأي توتر ينعكس على السياحة والاستثمار وفرص العمل ودخل الأسرة. والمواطن لا يستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية؛ هو يريد أن يرى التعافي في راتبه وفرصة عمله وقدرته على التخطيط لمستقبله، لا في تقرير.

وفي الملف المصرفي، اعتبر صندوق النقد الدولي أن استراتيجية إعادة هيكلة المصارف وصندوق استرداد الودائع خطوة أولى نحو تمكين المودعين من أموالهم، شرط احترام تسلسل تحمّل الخسائر. وفي 2 أيلول 2026 أُعلن اختيار شركة Alvarez & Marsal لتدقيق مالي جديد في مصرف لبنان يغطي 2019-2023. لكن سؤال المواطن يبقى أبسط وأقسى: متى تعود الثقة، ومتى يرى المودع أمواله مجددًا؟

الضرائب واللائحة الرمادية والتحول الرقمي… لا يكفي القانون وحده

الدولة تحتاج إيرادات لتمويل التعليم والصحة والجيش والبنية التحتية، لكن السؤال: كيف تُجبى؟ وكيف تُنفق؟ ومن يتحمل العبء؟ لا يجوز أن تكون الجباية أسرع من الإصلاح، فالإصلاح الحقيقي يعني ضبط الهدر والتهرب لا مزيدًا من الأعباء على من يدفع أصلًا.

وما زال لبنان خاضعًا لمراقبة متزايدة من مجموعة العمل المالي FATF، ومسار الخروج من اللائحة الرمادية يتطلب إجراءات فعلية لا نصوصًا فقط. وفي المقابل، أطلقت وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية بوابة «دولتي 2026» لحصر أكثر من 2700 خدمة حكومية، وهي خطوة جيدة، لكن الإصلاح الإداري الحقيقي تغيير في طريقة عمل الدولة، لا موقعًا إلكترونيًا فقط.

الدولة التي نريدها… دولة تؤدي لا دولة تجبي فقط

من منظور التحالف الوطني اللبناني LNA، الأزمة اللبنانية ليست رقمًا في سعر الصرف أو ملفًا سياسيًا منفردًا، بل أزمة حياة يومية وأزمة ثقة بالدولة. المواطن لا يريد دولة تجيد الجباية فقط؛ يريد قضاءً يطبّق القانون على الجميع، ومدارس تحمي أولاده، وكهرباء يمكن الاعتماد عليها، ومصارف تعيد بناء الثقة، واقتصادًا يخلق فرص العمل بدل دفع الشباب إلى الهجرة.

ونحن ندرك أن ملف السلاح خارج الدولة أساسي، لكن الدولة ليست سلاحًا فقط؛ هي أيضًا اقتصاد وقضاء ومصرف ومدرسة وبلدية وكهرباء وعدالة اجتماعية، ولا يجوز أن يبقى كل ملف آخر مؤجلًا بحجة أن هناك ملفًا أكبر. فالمواطن لا يستطيع تأجيل حياته بعد أن طال انتظاره للكهرباء وإصلاح المصارف والقضاء وفرص العمل.

يا سيادة الرؤساء… نريد تنفيذ خطاب القسم، لا الاكتفاء به، وأن تتحول الوعود إلى سياسات وقرارات يلمسها المواطن في حياته اليومية. فالسؤال الذي يجب أن يرافق كل قرار وكل إصلاح ليس فقط: كم ستجبي الدولة؟ بل: ماذا سيحصل المواطن في المقابل؟

نريد تعافيًا يصل إلى المواطن، لا تعافيًا يظهر فقط في التقارير.

ونريد دولة تنهض لأجل مواطنيها… لا دولة ينهض المواطن وحده من أجلها.

 

إعداد: اللجنة الاقتصادية في التحالف الوطني اللبناني LNA

بقلم: سوزان أبو زكي – رئيسة اللجنة الاقتصادية

 

المصادر:

البنك الدولي · صندوق النقد الدولي (IMF) · مجموعة العمل المالي (FATF) · اليونيسف (UNICEF) · وزارة الطاقة والمياه اللبنانية · وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية · المديرية العامة لأمن الدولة · وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) · رئاسة الجمهورية اللبنانية · Reuters · Associated Press (AP) · لجان الأهل في المدارس الخاصة

Picture of سوزان أبو زكي

سوزان أبو زكي

رئيسة اللجنة الإقتصادية في التحالف الوطني اللبناني

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد الأسطوري الوطني اللبناني: تحويل الإسبان إلى بيت منظمة، وإعداد جيل جديد بقوة لا تكاد تقاوم الانهيار، بل تستعد لتتحمل مسؤولية قيادة الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول مقاومة ودائع الرببانيين ومواجهة النهب للضوء ـ المقاومة: التصعيد خيارنا | دبابات المعاناة قصيدة الليطاني ومعركة النبطية تقترب | أطلق العنان لمبادرته التربوية من مجتمع متعاف وموحد |