لا تتحرك المنطقة اليوم على وقع خبر واحد، بل على تقاطع مسارات خطيرة: حرب إيران لم تنتهِ سياسياً، غزة تدخل مرحلة نزع السلاح، الخليج يراجع ثقته بالمظلة الأميركية، وسوريا تُطرح من جديد كممر استراتيجي للطاقة. وسط هذا كله، يظهر لبنان لا كدولة مقررة، بل كساحة مفتوحة أمام اختبار جديد: هل يمكن أن يبقى خارج منطق التسويات الأمنية التي تُفرض من حوله؟
أول إشارة سياسية تأتي من واشنطن. فحلفاء الولايات المتحدة التقليديون يترددون في التدخل المباشر في الحرب الإيرانية، ولا يريدون الدخول في مواجهة مفتوحة من دون ضمانات لوقف إطلاق نار ثابت أو تعهدات واضحة. معنى ذلك أن إدارة ترامب، رغم خطابها الحاد تجاه طهران، لا تملك شيكاً مفتوحاً من حلفائها. الحرب على إيران لم تعد مسألة قوة أميركية فقط، بل مسألة قدرة على إدارة كلفة دولية وإقليمية لا يريد الشركاء تحملها بسهولة.
هذا التردد يفسر المسار الثاني: الخليج لم يعد ينتظر واشنطن وحدها. الخبر عن توجه دول الخليج نحو الصين للضغط على إيران وإعادة فتح مضيق هرمز وممر البحر الأحمر ليس تفصيلاً دبلوماسياً. إنه مؤشر إلى تراجع الثقة الخليجية بقدرة الولايات المتحدة على ضبط إيران وحدها. عندما تلجأ دول الخليج إلى بكين، فهي لا تغيّر تحالفاتها بالكامل، لكنها تقول لواشنطن إن أمن الطاقة لم يعد يُدار من غرفة أميركية واحدة.
المسار الثالث أكثر حساسية: السعودية تستعد لاحتمال مواجهة بحرية وبرية ضد الحوثيين. هذا يعني أن إيران، حتى وهي تحت الضغط، ما زالت قادرة على استخدام أذرعها لفتح جبهات كلفة على خصومها. الحوثيون هنا ليسوا مجرد فصيل يمني، بل ورقة ضغط على البحر الأحمر والطاقة السعودية وحركة التجارة. لذلك، يصبح البحر الأحمر مكملاً لمضيق هرمز في حرب الممرات، لا جبهة منفصلة عنه.
في غزة، يظهر تطور من نوع آخر. الحديث الأميركي عن اتفاق “تاريخي” لنزع سلاح حماس وإعادة إعمار غزة، مع خطة متعددة المراحل تخرج الفصائل المسلحة من السلطة، يفتح باباً سياسياً يتجاوز غزة نفسها. إذا نجحت واشنطن في تحويل نزع سلاح حماس إلى شرط لإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، فقد يتحول هذا النموذج إلى سابقة إقليمية: السلاح مقابل الإعمار، والانسحاب مقابل ترتيبات أمنية، والسلطة المدنية مقابل تفكيك البنية العسكرية.
هنا يبدأ الربط اللبناني. في اليوم نفسه، يرد خبر عن هدم الجيش الإسرائيلي أنفاقاً لحزب الله تحت سلسلة قلعة الشقيف في جنوب لبنان. هذا ليس حدثاً عسكرياً معزولاً. إسرائيل تريد تثبيت رواية تقول إن التهديد في الجنوب ليس سياسياً فقط، بل بنيوي وتحت الأرض وممتد داخل الجغرافيا اللبنانية. بهذه الرواية، تبرر إسرائيل استمرار عملياتها وتؤخر أي انسحاب شامل، وتحوّل ملف الجنوب من ملف احتلال وانتهاك سيادة إلى ملف “بنية عسكرية يجب تفكيكها”.
الخطر على لبنان أن يجتمع المساران: نموذج غزة القائم على نزع السلاح، والرواية الإسرائيلية في الجنوب القائمة على تفكيك البنى العسكرية. عندها، لن يبقى مطلب حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية نقاشاً داخلياً فقط، بل سيتحول إلى بند إقليمي ودولي يُطرح على لبنان من الخارج. الفرق الجوهري أن لبنان يستطيع أن يحوّل هذا الملف إلى مشروع سيادي وطني تقوده الدولة، أو يتركه يتحول إلى ضغط خارجي تديره إسرائيل والولايات المتحدة وإيران فوق رأس اللبنانيين.
المسار السوري يزيد الضغط على لبنان من زاوية مختلفة. سوريا تسعى إلى ترسيخ نفسها كمركز بديل للطاقة والخدمات اللوجستية لمضيق هرمز، بدعم من الخليج وتركيا وواشنطن. إذا نجح هذا المسار، فإن دمشق قد تعود إلى الخريطة الاقتصادية الإقليمية لا عبر الشعارات، بل عبر الممرات والأنابيب والمرافئ. وهنا السؤال اللبناني قاسٍ: أين موقع لبنان إذا أصبحت سوريا ممراً للطاقة، وبقي لبنان محاصراً بسلاح غير شرعي، وانهيار مؤسساتي، وحدود مشتعلة، ومرافئ معطلة سياسياً؟
الأخطر أن لبنان كان يمكن أن يكون جزءاً من شبكة الممرات والطاقة واللوجستيات بين الشرق والغرب. لكن الدول لا تدخل هذه الخرائط لأنها تملك موقعاً جغرافياً فقط، بل لأنها تملك قراراً أمنياً واحداً، ومؤسسات قابلة للتعاقد، وحدوداً قابلة للضبط. من دون ذلك، يتحول الموقع الجغرافي من فرصة إلى عبء.
أما حرب أوكرانيا، رغم بعدها الجغرافي، فهي تضيف طبقة ضغط على القرار الأميركي. ضرب مصنع طائرات مسيّرة تابع لشركة أميركية في كييف، والحديث عن صاروخ روسي يصيب بولندا، يضعان واشنطن أمام جبهتين: روسيا في أوروبا، وإيران وأذرعها في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستبحث أكثر عن تسويات أمنية سريعة في الشرق الأوسط كي لا تستنزف في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
المنطقة تدخل مرحلة “إعادة ترتيب بالقوة والتفاوض معاً”. إيران تُضغط عسكرياً واقتصادياً، الخليج يوسّع خياراته نحو الصين، غزة تُدفع نحو نموذج نزع السلاح مقابل الإعمار، سوريا تُقدَّم كممر بديل، وإسرائيل تستثمر ملف أنفاق حزب الله لتثبيت يدها في الجنوب.
بالنسبة إلى لبنان، الرسالة واضحة: إذا لم تبادر الدولة اللبنانية إلى استعادة قرار السلاح والحرب والسلم ضمن مشروع وطني واضح، سيُفرض الملف عليها من الخارج. وإذا لم يدخل لبنان خريطة الممرات والاقتصاد والاستقرار، سيدخل خريطة الجبهات والصفقات والضغوط.
المطلوب لبنانياً ليس انتظار التسوية، بل بناء موقع داخلها: جيش واحد، قرار واحد، حدود مضبوطة، ودولة تتكلم باسم اللبنانيين قبل أن يتكلم الآخرون عنهم.