بعد تفجير الأجهزة… معركة السيطرة على الرواية

لم تعد الحرب التي تخوضها إسرائيل تُروى في نشرات الأخبار وحدها. باتت تُستعاد في المسلسلات والأفلام الوثائقية، حيث تدور معركة أخرى على صورتها ومعناها: مَن الضحية؟ مَن البطل؟ ومَن يتحمّل مسؤولية ما جرى؟

ويتقاطع هذا النشاط الإنتاجي مع الصراع الحاد بين نتنياهو وخصومه على تفسير الإخفاقات وتوزيع المسؤوليات واحتكار الإنجازات. لكن الأعمال التي تتناول الحرب لا تقف جميعها في خندق واحد؛ بعضها يضع التجربة الإسرائيلية في مركز التعاطف، وبعضها يفتح بابًا لمساءلة ما ارتُكب باسمها.

في الموسم الخامس من «فوضى»، تعود هجمات السابع من أكتوبر وصدْمتها إلى قلب الحكاية. وبحسب صنّاع المسلسل، أعادت تلك الأحداث تشكيل مساره، ليقدّم شخصيات تعيش آثارها النفسية وتتحرّك في ظلّها. (www.netflix.com) ومن زاوية نقدية، يطرح هذا الاختيار سؤالًا عن حدود الصورة التي تُقدَّم للمشاهد: حين تحتلّ الصدمة الإسرائيلية مقدّمة المشهد، أين يوضع التاريخ الفلسطيني السابق لها؟ والخطر أن يغادر المشاهد الحكاية بانطباع أن الصراع بدأ يوم السابع من أكتوبر، وأن ما سبقه من احتلال وحصار وتهجير لا يعدو كونه خلفية بعيدة.

في المقابل، يسلك وثائقي «نازا»، للمخرجَين يوفال أبراهام وراشيل سزور، طريقًا مختلفًا. يستند إلى شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، بينهم ضباط استخبارات وجنود، يتحدّثون عن دورهم في الحرب على غزة، وما يصفونه بأنه قتل منهجي للمدنيين الفلسطينيين. هنا تتقدّم إلى الواجهة أسئلة اختيار الأهداف، ومعرفة وجود المدنيين، والقرارات التي سمحت بمقتلهم. (apnews.com)

وبين دراما تستعيد الصدمة الإسرائيلية ووثائقي يسائل الممارسات العسكرية في غزة، ينقل «بيجر حزب الله» معركة الرواية إلى الساحة اللبنانية. تبدأ حكايته بأجهزة صغيرة يحملها عناصر حزب الله، وتنتهي برئيس حكومة يريد أن يروي للعالم كيف غيّر وجه الشرق الأوسط.

يقدّم الفيلم رواية مشوّقة لعملية تفجير أجهزة النداء. لكنه، بحسب قراءة نقدية نشرها أمير بوغن في «يديعوت أحرونوت» عبر موقع «واينت»، يفعل شيئًا آخر أيضًا: يمنح بنيامين نتنياهو مساحة واسعة لإعادة رسم صورته، بوصفه الرجل الذي رأى ما لم يره الآخرون، وحسم حين تردّدوا. (www.ynetnews.com)

وهنا يصبح السؤال أكبر من تفاصيل العملية: هل نشاهد وثائقيًا يكشف ما حدث، أم رواية سياسية تنتقي من الأحداث ما يخدم بطلها؟ وبالنسبة إلى اللبنانيين، يضاف سؤال أشدّ إلحاحًا: أين موقع الذين دفعوا الثمن، حين تتحوّل الحرب التي عاشوها إلى قصة انتصار يرويها الآخرون؟

عملية استخبارية تتحوّل إلى قصة انتخابية

يمتلك الفيلم عناصر الجذب منذ لحظاته الأولى: عملية سرّية، أجهزة مفخّخة، سلسلة توريد مصطنعة، ومقابلات نادرة مع مسؤولين يعرفون ما جرى خلف الأبواب المغلقة.

أبرز هؤلاء رئيس الموساد دافيد برنياع، الذي يتحدّث أمام الكاميرا عن العملية، ويشرح كيف تطوّرت فكرتها، وكيف جرى إعداد الأجهزة وتسويقها وصولًا إلى أيدي عناصر حزب الله.

لكن مع تقدّم المشاهد، تتراجع العملية تدريجيًا إلى الخلفية، ويتقدّم نتنياهو إلى مركز الصورة.

وفقًا لقراءة بوغن، تُرتَّب الشهادات والتفاصيل لتقود إلى نتيجة واحدة: الأجهزة الأمنية تخطّط وتناقش وتتردّد، ورئيس الحكومة يتخذ القرار الحاسم.

هذه الصورة تكتسب دلالة إضافية بسبب توقيت الترويج للفيلم. فبحسب المواعيد الواردة في المقال، تبدأ حملته الإعلامية قبيل الانتخابات الإسرائيلية، ويُقام عرضه الأول في لوس أنجلوس قبل ساعات منها، فيما يأتي طرحه في الصالات الأميركية لاحقًا.

قد لا يكفي التوقيت وحده لإثبات غاية انتخابية، لكنه يجعل السؤال عنها مشروعًا، خصوصًا حين يُقدَّم رئيس الحكومة بهذه الصورة، وفي هذه اللحظة.

مَن يقف خلف الكاميرا؟

لا تتوقف تساؤلات «يديعوت أحرونوت» عند مضمون الفيلم. فالغموض المحيط بإنتاجه جزء أساسي من القصة.

مَن بادر إلى المشروع؟ مَن دفع تكاليفه؟ وكيف حصل فريقه على هذا الوصول الاستثنائي إلى نتنياهو ورئيس الموساد ومسؤولين أمنيين بارزين؟

بحسب المقال، لم تقدّم المواد الترويجية إجابات واضحة، كما لم تتلقَّ الأسئلة الموجّهة إلى المخرج والمسؤول عن الترويج ردًا.

المسألة هنا ليست تفصيلًا في شارة النهاية. حين يتناول فيلمٌ حربًا وقراراتٍ سياسية كبرى، تصبح معرفة الجهات التي موّلته والمصالح التي قد تقف وراءه جزءًا من تقييم روايته.

فالمشاهد يستحق أن يعرف مَن يروي له القصة، ومَن اختار زاوية الكاميرا.

الموساد يشرح… ونتنياهو يحسم

في قسمه الأول، يستعرض الفيلم، وفق المقال، سنوات من الإعداد: من فكرة تفخيخ أجهزة اللاسلكي إلى تطوير أجهزة النداء، ثم بناء مسار تجاري يوصلها إلى حزب الله.

يروي برنياع تفاصيل تقنية وتسويقية، ويتحدث عن استبدال أجهزة اشتكى مستخدموها من أعطال فيها بأخرى جديدة. تُقدَّم هذه الوقائع بإيقاع يجمع التشويق والفكاهة السوداء، ويُظهر العملية بوصفها اختراقًا استخباريًا بالغ التعقيد.

لكن تلك التفاصيل تؤدي وظيفة أخرى في بناء الفيلم: تمهّد لظهور الرجل الذي يمنح التنفيذ ضوءه الأخضر.

يروي نتنياهو أنه علم متأخرًا بإرسال حزب الله أجهزة إلى إيران لفحصها، وأنه دفع نحو التحرّك السريع خشية انكشاف المخطط. ويقدّم رفضه إبلاغ إدارة بايدن مسبقًا بوصفه قرارًا حال دون تسريب العملية.

هذه روايته أمام الكاميرا. والمشكلة التي يطرحها المقال أن الفيلم لا يختبرها بما يكفي أمام روايات أخرى.

فالوثائقي الذي يفتح أبوابه لشهادات كثيرة يترك مقعدًا مهمًا فارغًا: وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، الذي يشير المقال إلى اختلاف روايته بشأن توقيت العملية والاعتبارات المحيطة بها عن رواية نتنياهو.

وحين تغيب الشهادات المخالفة، يصبح من الصعب التمييز بين توثيق القرار وإعادة تقديمه بالصورة التي يفضّلها صاحبه.

من تفجير الأجهزة إلى اغتيال نصرالله

بعد تنفيذ تفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي، يتوقّع المشاهد أن تقترب الحكاية من نهايتها. لكن الفيلم ينتقل إلى فصل جديد: قرار اغتيال حسن نصرالله.

هنا يتكرّر البناء نفسه، بحسب قراءة الصحيفة: مخاوف لدى المسؤولين من ردّ إيراني وحرب أوسع، في مقابل رئيس حكومة يقرّر أن المواجهة قائمة أصلًا، وأن الفرصة تستدعي الحسم.

يروي نتنياهو كيف اتخذ القرار خلال سفره إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة. وتتحوّل لحظة اتخاذ القرار إلى ذروة درامية جديدة، تعزّز صورته باعتباره صاحب الإرادة التي تتجاوز تردّد المحيطين به.

لا ينفي ذلك أن قرارات كهذه تنطوي على حسابات صعبة. لكنه يطرح سؤالًا عن وظيفة الفيلم: هل يساعدنا على فهم تلك الحسابات، أم يدعونا إلى الإعجاب بصاحب القرار؟

اللبنانيون في المشهد… ولكن بأي دور؟

بالنسبة إلى المشاهد اللبناني، تبرز فجوة أكثر إيلامًا بين تشويق الرواية وواقع الحدث.

فما يُعرض على الشاشة بوصفه إنجازًا استخباريًا وقع في أماكن يعيش فيها الناس، وخلّف قتلى وجرحى وخوفًا امتدّ إلى ما هو أبعد من حاملي الأجهزة.

ينقل الفيلم عن برنياع أن العملية صُمّمت لإصابة عناصر حزب الله وتجنّب إيذاء المحيطين بهم. لكن إعلان هذه النية لا يحسم وحده ما وقع فعليًا، ولا يغني عن مساءلة النتائج.

وفي مشاهد تمثيلية، يعرض الفيلم عنصرًا من حزب الله مذعورًا، يفصل الأجهزة المنزلية خشية انفجار جديد، بينما تراقبه عائلته بدهشة. وفي مشهد آخر، تصغي عائلة إلى خطاب لنتنياهو يحمّل فيه حزب الله مسؤولية تعريض المدنيين للخطر.

هكذا يدخل اللبنانيون إلى القصة، لكن غالبًا في أدوار تخدم رسالتها: الخائف، أو الواقع تحت نفوذ حزب الله، أو المتلقّي لتحذير إسرائيلي.

أما صوتهم هم، وتجربتهم هم، والأسئلة التي يطرحونها عن أمنهم ومستقبل بلدهم، فلا تحظى بالمساحة نفسها.

حين يصبح التحذير شهادة براءة

يقدّم الفيلم نتنياهو أيضًا بوصفه قائدًا حريصًا على المدنيين، يطلب خططًا لإخراج السكان من مناطق العمليات، ويشدّد على تجنّب إيذائهم.

لكن ثمة فارقًا بين عرض هذه الأقوال وإثبات ما تعنيه على الأرض. فالتحذير بالإخلاء لا يجيب وحده عن مصير مَن عجزوا عن المغادرة، ولا عن حجم الدمار، ولا عن المسؤولية عن الأذى الذي أصاب المدنيين.

هذه الأسئلة تحتاج إلى أدلة وشهادات مستقلة. لا تكفي لحسمها مقابلة مع صاحب القرار، مهما كان إخراجها مقنعًا.

وبحسب المقال، يتّسع السرد في نهايته ليصل إلى نتائج إقليمية كبرى، ينسب الفيلم إلى سياسات نتنياهو دورًا في تحقيقها، من سقوط نظام الأسد إلى فتح أفق مختلف للعلاقة مع لبنان.

إنها خاتمة تمنح البطل أكثر من انتصار عسكري: تمنحه وعدًا بمستقبل أفضل للمنطقة.

مَن يملك الحكاية بعد انتهاء الانفجار؟

تكمن أهمية نقد «يديعوت أحرونوت» في أنه يلفت إلى المعركة التي تلي الحدث: معركة تفسيره، وتوزيع أدواره، وتحديد مَن يستحق الفضل ومَن يتحمّل المسؤولية.

فالعملية العسكرية لا تصل إلى الجمهور كما وقعت تمامًا. تصل عبر شهادات منتقاة، وصور وموسيقى ومشاهد تمثيلية، وأصوات تحضر وأخرى تُستبعد.

وللبنانيين مصلحة مباشرة في قراءة هذه الرواية بعين نقدية. يمكن مساءلة قرارات حزب الله التي عرّضت البلد للحرب، ومساءلة العمليات الإسرائيلية وما ألحقته بالناس، من دون أن تلغي إحداهما الأخرى.

أما قبول الحكاية كما صاغها أصحاب القوة، فيترك اللبنانيين مرة أخرى داخل المشهد وخارج حقّ روايته: تُعرض إصاباتهم، ويُفسَّر خوفهم، ويُرسَم مستقبلهم، فيما يتحدّث الآخرون باسمهم.

بعد تفجير الأجهزة، تبقى معركة أخرى مفتوحة: ألّا تتحوّل حياة الناس إلى مشهد عابر في فيلم يصنع بطولة لغيرهم.

يستند عرض «بيجر حزب الله» ونقده إلى مقال أمير بوغن المنشور في «يديعوت أحرونوت» عبر «واينت غلوبال»، مع إعادة صياغة وإضافة قراءة لبنانية ومقارنة بأعمال أخرى.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد الأسطوري الوطني اللبناني: تحويل الإسبان إلى بيت منظمة، وإعداد جيل جديد بقوة لا تكاد تقاوم الانهيار، بل تستعد لتتحمل مسؤولية قيادة الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول مقاومة ودائع الرببانيين ومواجهة النهب للضوء ـ المقاومة: التصعيد خيارنا | دبابات المعاناة قصيدة الليطاني ومعركة النبطية تقترب | أطلق العنان لمبادرته التربوية من مجتمع متعاف وموحد |