
نشرة يومية فاخرة عن الوطنية اللبنانية (LNA)، ترصد المتميزين المتميزين في لبنان، وتضعها في مؤتمرها السياسي والإنساني، مع تركيز مباشر على ما تعنيه للبنان ولحياة اللبنانيين.
المشهد يتكثف على ثلاث جبهات مترابطة:
في واشنطن، انطلقت جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل وسط قتال لم يتوقف فعليًا في الجنوب. وفي بكين، يجري اللقاء بين دونالد ترامب وشي جين بينغ فيما حرب إيران ومضيق هرمز يخيمان على جدول الأعمال. وفي الخليج، تستمر أزمة الطاقة والعبور البحري في الضغط على الأسواق وعلى حسابات القوى الكبرى. النتيجة الأوضح حتى الآن أن لا أحد يفاوض من موقع هادئ: لبنان يفاوض تحت النار، إسرائيل تفاوض من موقع القوة الميدانية، وواشنطن تفاوض إيران والصين وهي تحاول منع تحول هرمز إلى دليل إضافي على تراجع قدرتها على فرض النظام البحري الذي اعتادت إدارته.
بدأت في واشنطن الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ووصفتها الإدارة الأميركية بأنها “إيجابية ومنتجة”، مع استمرارها إلى اليوم التالي. لكن هذه اللغة الدبلوماسية تصطدم مباشرة بحقيقة أبسط: القتال في الجنوب لم يتوقف، والضربات الإسرائيلية استمرت، وحزب الله لا يشارك في هذه المحادثات أصلًا ويعارضها من حيث المبدأ. لبنان يضغط من أجل وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي، فيما تركز إسرائيل على نزع سلاح حزب الله وترتيبات أمنية تضمن عدم تجدد التهديد على حدودها الشمالية.
لبنان الرسمي يقول إن وقف النار يجب أن يسبق أي نقاش آخر، لأن التفاوض تحت القصف يضعف الدولة ولا يبني تسوية. في المقابل، تشير تغطيات إسرائيلية وغربية إلى أن إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة بوقف شامل الآن، بل بخفض أو ضبط مستوى العمليات بحسب تقدم المسار الأمني والسياسي. وبذلك يصبح التفاوض، عمليًا، مسارًا تحت إدارة النار لا بعد إخمادها.
في الميدان، تظهر مشكلة أخرى أكثر خطورة: حزب الله ما زال يملك القدرة على الإيذاء. واشنطن بوست أوردت أن الحزب أعاد تسليح نفسه جزئيًا عبر مسيّرات منخفضة الكلفة وصعبة التشويش، مستفيدًا من مكونات تجارية متاحة وقدرات إنتاج مرنة. هذا يعني أن مسألة السلاح لم تعد تختصر بالصواريخ الثقيلة أو المخازن الكبيرة فقط، بل باتت تشمل أدوات أقل كلفة وأكثر صعوبة في المنع والردع. وفي إسرائيل، يجري اختبار تقنيات جديدة مضادة للمسيّرات مع ارتفاع القلق من هذا التهديد.
إذا كانت الدولة اللبنانية تطلب وقف النار أولًا، فيما تصر إسرائيل على أن أصل المشكلة هو بقاء سلاح حزب الله خارج الدولة، فنحن أمام تفاوض بين طرف يريد إطفاء الحريق وطرف يريد تغيير بنية البيت قبل إطفائه. المشكلة أن لبنان، كما تظهر المعطيات السياسية المطروحة، لا يملك بعد أدوات قوة تسمح له بفرض الشروط، ولا يملك كذلك إجماعًا داخليًا كافيًا يسمح له بترجمة أي اتفاق إذا اصطدم مباشرة بملف السلاح والسيادة.
هنا تظهر المعضلة اللبنانية الفعلية:
إسرائيل تستطيع ضرب حزب الله، لكنها لا تستطيع وحدها نزع سلاحه.
وفي المقابل، الدولة اللبنانية تستطيع أن تقول نظريًا إن السلاح يجب أن يكون بيدها وحدها، لكنها لا تملك حتى الآن لا القدرة التنفيذية الكاملة ولا الغطاء الداخلي الحاسم لفرض ذلك. هذه ليست معضلة تقنية، بل أزمة سيادة كاملة: من يملك قرار الحرب؟ من يملك قرار التفاوض؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ ما يُتفق عليه؟
وتتعقد الصورة أكثر لأن الحزب لا يتصرف كقوة لبنانية صافية. في المادة التي أرفقها المستخدم، يظهر بوضوح أن قراءة واسعة داخل لبنان تعتبر أن سياسة حزب الله امتداد مباشر للسياسة الإيرانية، وأن اعتراضه على المفاوضات ليس فقط اعتراضًا على شكلها، بل على مبدأ أن تتكلم الدولة اللبنانية باسمه أو بدلًا منه. وفي المقابل، تظهر المادة نفسها انقسامًا عميقًا داخل البنية اللبنانية حول من يملك الشرعية الفعلية: الدولة، أم “الربع المسلح” القادر على فرض إرادته بالقوة.
الصين، ترامب، وهرمز: لماذا يضغط الخليج على محادثات بكين؟
الجبهة الثانية لا تقل أهمية عن واشنطن. في بكين، يجتمع ترامب وشي جين بينغ فيما حرب إيران تضغط مباشرة على ملفات التجارة والطاقة وتوازن القوى. رويترز نقلت أن الحرب مع إيران تزاحم ملفي التجارة وتايوان على جدول القمة، فيما أشارت إلى أن الولايات المتحدة تحتاج تعاون الصين في ملفات من بينها هرمز والطاقة، حتى لو حاول ترامب التقليل علنًا من حاجته إلى مساعدة شي. وفي الوقت نفسه، أظهر تقرير استخباراتي أميركي نقلته واشنطن بوست أن الصين تستفيد من حرب إيران لتعظيم تفوقها النسبي على الولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.
المفارقة هنا قاسية على واشنطن:
الولايات المتحدة تحاول الضغط على إيران، لكنها تجد نفسها مضطرة للحديث مع الصين عن نتائج هذا الضغط.
بمعنى آخر، هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار أداة لكشف حدود القوة الأميركية. وإذا كانت الصين تشتري الجزء الأكبر من النفط الإيراني، وإذا كان أي تعطل طويل في المضيق يربك الأسواق الآسيوية كما يربك أوروبا وأميركا، فإن طهران تكون قد نجحت جزئيًا في تحويل الممر البحري إلى ورقة تفاوض عالمية لا إيرانية فقط. رويترز نقلت عن وكالة الطاقة الدولية أن المعروض العالمي هذا العام قد يهبط دون الطلب بسبب الحرب، وأن القلق من استمرار تعطل الإمدادات لم يعد تقديرًا نظريًا.
ومن هذه الزاوية، تبدو بعض القراءات التي تقول إن ترامب صار مضغوطًا بالوقت أكثر من إيران أقرب إلى المنطق من الدعاية. فكلما طال التعطيل في هرمز، ارتفعت كلفة الوقود، وتزايد الضغط على الأسواق الأميركية، وازدادت حاجة واشنطن إلى مخرج يمكن تسويقه كانتصار، لا كمجرد إدارة أزمة مفتوحة.
ماذا يعني للبنان
أولًا، تفاوضيًا:
لبنان يذهب إلى واشنطن بمطلب واضح: وقف النار أولًا، ثم الانسحاب، ثم أي حديث آخر. هذا الموقف مفهوم ومشروع، لكنه يواجه حقيقة ميدانية قاسية: إسرائيل تريد أن تأخذ في التفاوض ما تعتبر أنها لم تنهه بالقوة بعد، أي تحويل ملف السلاح إلى جوهر المسار لا إلى تفصيل لاحق.
ثانيًا، سياديًا:
إذا كان حزب الله يرفض أن يفاوض أحد عنه، ويعتبر نفسه صاحب القرار في الحرب والسلم، فالمشكلة لم تعد فقط في إسرائيل، بل في بنية القرار اللبناني نفسها. لا يمكن لدولة أن تفاوض بجدية فيما القرار العسكري موزع، والقرار السياسي متنازع عليه، والقرار التنفيذي غير مضمون.
ثالثًا، عسكريًا وأمنيًا:
المسيّرات غير القابلة للتشويش بسهولة تعني أن الحرب دخلت مرحلة أقل كلفة وأكثر استنزافًا. هذا يطيل أمد التوتر ويجعل فكرة “الحسم السريع” أضعف، سواء بالنسبة إلى إسرائيل أو إلى أي خطة دولية تريد احتواء الحزب من دون معالجة أصل الخلل السيادي في لبنان.
رباعيًا، داخليًا:
المادة المرفقة تصف مشهدًا لبنانيًا بالغ الهشاشة: جيش منقسم طبيعيًا لأن المجتمع منقسم، سلطة شكلية أكثر منها فعلية، وخوف واسع من أن يتحول أي اتفاق لا يرضى به حزب الله إلى شرارة اضطراب داخلي. هذا يعني أن نجاح التفاوض لا يتوقف على واشنطن وتل أبيب فقط، بل على قدرة لبنان نفسه على منع انهيار داخلي إذا اصطدمت التسوية بحدود التوازن القائم.
المشهد اليوم لا يقول إن الحل قريب، بل يقول إن كل الأطراف تفاوض من داخل المأزق.
لبنان يريد وقف النار لأنه لا يحتمل استمرار النزف. إسرائيل تريد تغيير المعادلة الأمنية لا مجرد تجميدها. حزب الله لا يريد أن تُنتزع منه صفة صاحب القرار. إيران تريد أن تجعل من هرمز برهانًا على أنها لم تُهزم. وواشنطن تحاول أن تحوّل كل ذلك إلى صفقة قابلة للبيع سياسيًا.
بالنسبة إلى لبنان، السؤال لم يعد فقط: هل تبدأ المفاوضات؟
السؤال الأخطر صار: هل يستطيع لبنان أن يدخل أي تفاوض من موقع دولة فعلًا، أم أنه ما زال يدخل بصفة ساحة يتفاوض الآخرون على حدود اشتعالها؟
ينطلق المبدع الوطني اللبناني من السيطرة على: حماية الناس، صون كاملين، والدفع نحو كيان لا يتحكم فيهم، لأن كل الفوضى يدفعها اللبنانيون أولًا.
الخصائص الوطنية اللبنانية (LNA)
قراءة يومية موثوقة تمامًا لما يهم لبنان واللبنانيين.