
أحيانًا أفكر أن أخطر ما حدث للبنان ليس الحرب بحد ذاتها، بل الطريقة التي أعادت فيها تشكيل وعينا كبشر. نحن لم نعد نعيش داخل وطن بالمعنى التقليدي. نحن نعيش داخل طبقات متوازية من الواقع، وكل طبقة مقتنعة أن الأخرى فقدت عقلها.
هناك لبناني يستيقظ صباحًا ليفتش عن أسماء الضحايا والقرى المستهدفة، يشعر أن البلد كله ينزف وأن أي تفصيل آخر في الحياة أصبح ترفًا أخلاقيًا. وفي المقابل، هناك لبناني آخر يفتح هاتفه ليتابع عروض السفر والمطاعم والموضة وكأن شيئًا لا يحدث. ليس لأنه لا يعلم، بل لأنه اختار — بوعي أو بلا وعي — أن يعزل نفسه نفسيًا عن المشهد كي لا ينهار.
المشكلة أن الطرفين يعتقدان أنهما يمثلان “الطبيعي”، بينما الحقيقة أن الاثنين معًا يمثلان أعراض مجتمع يعيش فوق قدرة احتماله.
في الحروب التقليدية، الناس تعرف أنها في حرب. أما في لبنان، فالمشهد أكثر تعقيدًا. نحن نعيش حربًا بلا إعلان واضح، وانهيارًا بلا لحظة سقوط رسمية، وخوفًا بلا نهاية محددة. لذلك أصبح اللبناني يعيش حالة تشبه الـ suspended reality؛ أي واقعًا معلّقًا بين الكارثة والحياة الطبيعية. لا هو قادر أن ينهار بالكامل، ولا هو قادر أن يعيش بسلام فعلي.
لهذا السبب تحديدًا أصبحنا نرى هذا الانفصام الجماعي. ليس لأن اللبنانيين بلا إحساس، بل لأن العقل البشري لا يستطيع أن يبقى في حالة استنفار دائم لسنوات من دون أن يخلق وسائل دفاع غريبة. البعض يدافع عن نفسه عبر الإنكار. البعض عبر الغضب. البعض عبر السخرية. البعض عبر الإفراط في الاستهلاك واللهو وكأن الحياة سباق مع الموت. والبعض عبر التحول إلى مراقب بارد فقد القدرة على التفاعل أصلًا.
الأمر يشبه مدينة يتصاعد منها الدخان، لكن سكانها يختلفون على ما إذا كان هناك حريق أصلًا، لأن الاعتراف الكامل بالحريق يعني الاعتراف بأن كل شيء مهدد.
وفي لبنان تحديدًا، هناك مشكلة إضافية أكثر خطورة: الناس لم تعد تثق بأي رواية. لا الإعلام، ولا السياسة، ولا الشعارات، ولا حتى المفاهيم الأخلاقية الكبرى. لهذا أصبح كل شخص يبني “حقيقته” الخاصة لينجو نفسيًا. أحدهم يقنع نفسه أن ما يحدث مجرد مرحلة وستمر. وآخر يعتقد أننا أمام نهاية كاملة. وثالث يعيش فقط داخل تفاصيل يومه لأنه لم يعد يحتمل التفكير بالصورة الكبرى.
لهذا لم يعد النقاش في لبنان سياسيًا فقط، بل أصبح نقاشًا حول تفسير الواقع نفسه. نحن لم نعد مختلفين على الحلول، بل مختلفون على تعريف ما الذي يحدث أصلًا.
ربما لهذا تبدو الحياة اللبنانية اليوم مستفزة ومؤلمة في آن واحد. جنازة في مكان، وافتتاح مطعم في مكان آخر. أم تبكي ابنها، وآخرون يصورون فيديوهات عن “الطاقة الإيجابية”. خبر استهداف، يليه إعلان تخفيضات. وكأن البلد فقد الإيقاع الطبيعي للمشاعر.
لكن الحقيقة الأعمق أن هذا ليس دليل قوة كما يحاول البعض تصويره، وليس دليل انعدام ضمير كما يتهم البعض الآخر. إنه دليل إرهاق جماعي طويل الأمد. المجتمعات عندما تتعب أكثر من اللازم، لا تعود تتصرف بشكل منطقي أو متماسك. تصبح مثل إنسان محروم من النوم لسنوات: يتكلم، يضحك، يعمل، يتحرك… لكنه من الداخل في حالة انهيار عصبي بطيء.
لبنان اليوم ليس فقط بلدًا يواجه اعتداءات أو أزمات سياسية. لبنان أصبح مختبرًا نفسيًا مفتوحًا لفهم كيف يمكن لمجتمع كامل أن يعيش طويلًا بين الحياة والنجاة، بين الاعتياد على الكارثة والخوف منها، وبين الرغبة في الصراخ والرغبة في الهروب من كل شيء.
وربما هذه هي المأساة الحقيقية: أن يتحول الشعب تدريجيًا من شعب يحلم بالمستقبل… إلى شعب يحاول فقط ألّا ينهار اليوم.
دمتم بخير