الدفاع عن إيران: حزب الله يضحي بلبنان

نمير شاهين

لم تعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل مجرد اشتباك حدودي عابر، بل تحوّلت إلى جزء مباشر من الصراع الأوسع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يعود لبنان مرة جديدة إلى موقع الساحة التي تُدار فوق أرضها حسابات الآخرين، بينما يتحمّل شعبه ودولته الكلفة الأكبر.

لا يمكن فهم سلوك حزب الله من زاوية لبنانية محضة، بل من خلال ارتباطه العضوي بإيران سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا. الحزب لا يرى نفسه طرفًا محليًا فقط، بل جزءًا من منظومة إقليمية، ما يجعله يرفض فصل الجبهة اللبنانية عن المسار الإيراني. بالنسبة إليه، أي محاولة لعزل لبنان عن هذا الصراع تمس مباشرة بدوره ووظيفته، وتدفعه نحو انكفاء تدريجي داخل الساحة الداخلية.

منذ بدء عملية “طوفان الأقصى”، تعرّض الحزب لضربات مؤلمة: اختراقات استخباراتية، اغتيالات لقيادات بارزة، وتوسّع في الضربات الدقيقة داخل لبنان وسوريا. هذه التطورات لم تُضعف قدراته العملياتية فقط، بل أصابت صورته كقوة ردع محصّنة. لذلك، لا يبدو أن الاشتباك المحدود كافٍ لاستعادة هذه الصورة، ما يدفع الحزب للتفكير بتصعيد أوسع يعيد تثبيت معادلة الردع.

لكن هنا تكمن المعضلة الأساسية. فالحزب، المرتبط بالإيقاع الإيراني، قد يُدفع إلى تصعيد لا تفرضه حاجاته وحده، بل حسابات طهران أيضًا. إيران تستخدم ساحاتها الإقليمية كأدوات ضغط، ولا تنظر إلى لبنان كملف مستقل، بل كجزء من شبكة نفوذها. وعند اشتداد الضغط عليها، تصبح الجبهة اللبنانية وسيلة لتشتيت إسرائيل واستنزافها.

غير أن ما يخدم إيران لا يخدم بالضرورة لبنان. فالحزب، الذي يعتمد على ترسانة صاروخية ضخمة تشكّل أساس قوته، يواجه خطر استنزاف هذه القدرة في حال التصعيد. ومع تشديد الرقابة الإسرائيلية وتضييق خطوط الإمداد، تصبح إعادة بناء هذه الترسانة أكثر صعوبة، ما يعني أنه قد يستهلك تدريجيًا مصدر قوته الاستراتيجية.

في الداخل، يواجه الحزب معادلة قاسية. مع تراجع الغطاء السياسي لسلاحه واتساع الفجوة مع الدولة، يجد نفسه أمام خيارين: إما القبول تدريجيًا بانحسار دوره العسكري، أو الذهاب إلى تصعيد واسع لاستعادة الردع. لكن كلا الخيارين مكلف. فالتراجع يهدد هويته ودوره، والتصعيد يفتح الباب أمام حرب مدمرة قد تقضي على ما تبقى من استقرار لبنان.

لذلك، ليست المواجهة الحالية مجرد جولة عسكرية، بل لحظة مفصلية تعيد رسم دور حزب الله وموقع لبنان. فقد ربط الحزب مصيره بإيران، رافضًا أي فصل بين المسارين، ما يدفع لبنان إلى صراع لا يملك قراره ولا يحتمل كلفته، فيما يتراجع دور الدولة لصالح قوى تتجاوزها.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain