الليرة اللبنانية على مفترق طرق: بين طباعة الملايين وحذف الأصفار، أيهما ينقذ العملة؟

كشفت صحيفة اللواء أن مصرف لبنان يدرس إطلاق أوراق نقدية جديدة مع «تعديل قيمة الأرقام»، في ما قد يرى النور خلال المرحلة المقبلة. عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها سؤالاً جوهرياً طالما تهرّب منه المسؤولون: هل يكتفي لبنان بطباعة فئات نقدية أكبر، ورقة بمليون ليرة بعد ورقة بمئة ألف، أم يجرؤ على خطوة إصلاحية حقيقية تقضي بإعادة تقييم العملة من خلال حذف الأصفار في الوقت المناسب؟
الإجابة ليست تقنية بحتة، ولا تكمن في شكل الورقة النقدية أو عدد الأصفار المطبوعة عليها. إنها قرار سياسي واقتصادي يعكس وجود إرادة إصلاح أو غيابها. وقبل الوصول إلى أي استنتاج، لا بد من فهم ما آلت إليه الليرة اللبنانية، وما تقوله تجارب الدول الأخرى بموضوعية، بما فيها تجارب كثيراً ما تُقرأ بصورة انتقائية.

أولاً: أرقام لا تحتمل التأويل

منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها. وأصبحت ورقة المئة ألف ليرة، وهي أكبر الفئات المتداولة حالياً، لا تتجاوز قيمتها الفعلية دولاراً واحداً تقريباً وفق سعر الصرف السائد.
كما تُقدَّر الكتلة النقدية المتداولة بعشرات التريليونات من الليرات، وفق أحدث بيانات مصرف لبنان، فيما بات المواطن يحمل رُزماً من الأوراق النقدية لإتمام معاملات يومية بسيطة.
وكما وصف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في عرضه أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية عادية، بل «أزمة نظامية شاملة» أصابت الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي في آن واحد. فالنموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية، والقائم على استقطاب الودائع لتمويل عجز الدولة، انهار بالكامل عندما فقد اللبنانيون والمستثمرون الثقة به.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نطبع عملة جديدة؟ بل: هل نطبعها هرباً من الأزمة، أم بعد معالجتها؟

ثانياً: طباعة فئات أكبر، إجراء تقني أم اعتراف بالأزمة؟

في عام 2025، أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون النقد والتسليف تجيز لمصرف لبنان إصدار فئات نقدية جديدة أعلى قيمة لتسهيل التداول وخفض الكلفة التشغيلية المرتبطة بالاقتصاد النقدي.
من الناحية التقنية، قد يكون لهذا الإجراء ما يبرره. فعندما تصبح أكبر ورقة نقدية متداولة غير كافية لتلبية حاجات السوق اليومية، يصبح تحديث الفئات المتداولة مسألة عملية.
إلا أن تقديم هذه الخطوة بوصفها جزءاً من الحل الاقتصادي ينطوي على مخاطر جدية:
تعميق أزمة الثقة: فإصدار فئات بملايين الليرات يعكس بصورة غير مباشرة حجم التدهور الذي أصاب العملة الوطنية.
ترسيخ الاقتصاد النقدي: بدلاً من الانتقال نحو اقتصاد أكثر انتظاماً وشفافية.
إيهام الرأي العام بوجود حل: في حين أن جذور الأزمة تبقى من دون معالجة.
تجاهل الأسباب البنيوية للانهيار، من عجز مالي مزمن وغياب الإصلاحات وتآكل الثقة بالمؤسسات.
فالطباعة بحد ذاتها لا تعالج أياً من أسباب الأزمة، بل قد تتحول إلى مجرد أداة لإدارة نتائجها.

ثالثاً: حذف الأصفار، متى يكون خطوة إصلاحية ومتى يتحول إلى وهم؟

إعادة تقييم العملة أو «حذف الأصفار» (Redenomination) تعني استبدال العملة القائمة بأخرى تحمل قيماً اسمية أصغر، بحيث يصبح مليون ليرة قديم مثلاً معادلاً لألف ليرة جديدة.
يرى بعض الاقتصاديين أن هذه الخطوة قد تساعد على تبسيط العمليات الحسابية واستعادة قدر من الثقة الرمزية بالعملة إذا جاءت ضمن بيئة مستقرة.
غير أن التجارب الدولية تؤكد أن حذف الأصفار ليس علاجاً سحرياً، بل أداة تقنية تعتمد فعاليتها على ما يسبقها وما يليها.
فإذا جاء بعد إصلاحات حقيقية واستقرار اقتصادي، قد يساهم في تكريس مرحلة جديدة. أما إذا استُخدم بديلاً عن الإصلاح، فإنه يتحول إلى إجراء شكلي سرعان ما تفقد نتائجه أي أثر.

رابعاً: ماذا تقول تجارب الدول؟

● *تركيا (2005)*: نجاح مشروط لا وصفة جاهزة
عانت تركيا لعقود من تضخم مرتفع أفقد عملتها الكثير من قيمتها. وفي عام 2005، حذفت الحكومة ستة أصفار من الليرة التركية، فأصبح مليون ليرة قديم يعادل ليرة واحدة جديدة.
نجحت الخطوة آنذاك لأنها جاءت بعد برنامج إصلاحي واسع، ودعم مؤسساتي، وتشريعات واضحة، وحملة تثقيف للرأي العام.
غير أن التجربة التركية تُظهر أيضاً أن النجاح ليس دائماً. فمنذ عام 2018، عادت الليرة إلى مواجهة ضغوط حادة نتيجة تراجع استقلالية السياسة النقدية وتفاقم الاختلالات الاقتصادية.
وفي محاولة لاحتواء التضخم واستعادة الثقة، اتجه البنك المركزي التركي منذ عام 2023 إلى تشديد السياسة النقدية، فرفع سعر الفائدة الأساسي تدريجياً من 8.5% إلى 50% بحلول آذار 2024.
لكن هذه التجربة تحمل درساً مهماً للبنان: فأسعار الفائدة المرتفعة ليست علاجاً بحد ذاتها. ففعاليتها ترتبط بالهدف من استخدامها وبالإصلاحات المرافقة لها.
ففي لبنان، استُخدمت الفوائد المرتفعة قبل الأزمة بصورة أساسية لاستقطاب الودائع وتمويل نموذج مالي غير مستدام، لا لمكافحة التضخم. أما في تركيا، فجاء تشديد السياسة النقدية في إطار محاولة لاستعادة الاستقرار النقدي.
الدرس التركي الحقيقي ليس أن حذف الأصفار ينجح دائماً، بل أن استقرار العملة يحتاج إلى مؤسسات قوية، وسياسات منضبطة، وثقة مستدامة.

البرازيل (1994): الإصلاح أولاً

شهدت البرازيل خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات موجات تضخم متكررة، وفشلت عدة خطط تثبيت لأنها عالجت النتائج بدل الأسباب.
لكن «خطة الريال» عام 1994 سلكت مساراً مختلفاً: بدأت بإصلاحات مالية، وإعادة تنظيم المالية العامة، وكسر التوقعات التضخمية، ثم أطلقت العملة الجديدة.
النتيجة كانت تراجعاً سريعاً في معدلات التضخم واستعادة تدريجية للاستقرار.
الدرس البرازيلي واضح: العملة الجديدة جاءت تتويجاً للإصلاح، لا بديلاً عنه.

إيطاليا وإسبانيا: استقرار العملة لا يلغي التحديات الاقتصادية

عانت إيطاليا وإسبانيا تاريخياً من معدلات تضخم مرتفعة وتحديات مالية متعددة قبل الانضمام إلى منطقة اليورو.
وقد وفّر اليورو لهما مرساة نقدية قوية حالت دون تحول الأزمات اللاحقة إلى أزمات عملة وطنية.
لكن ذلك لا يعني أن مشكلاتهما الاقتصادية انتهت. فخلال العقد الحالي، واجه البلدان تحديات مرتبطة بالنمو، وارتفاع الدين العام، وتداعيات جائحة كورونا، والتضخم العالمي.
الفرق الجوهري أن هذه الأزمات لم تتحول إلى انهيار في العملة أو تضخم مفرط، لأن الإطار النقدي بقي مستقراً.
أما لبنان، الذي لا يملك مرساة مماثلة، فلا يملك سوى بناء مصداقيته من الداخل عبر إصلاحات حقيقية تعيد الثقة.

زيمبابوي: حين تُغيَّر الأرقام وتبقى الأزمة

شهدت زيمبابوي واحدة من أسوأ حالات التضخم المفرط في التاريخ الحديث.
ولجأت السلطات إلى حذف الأصفار أكثر من مرة، من دون معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
فانهارت العملة الوطنية بالكامل، واضطرت البلاد إلى الاعتماد على العملات الأجنبية.
الفارق بين زيمبابوي والتجارب الناجحة لم يكن في قرار حذف الأصفار نفسه، بل في وجود إصلاح حقيقي أو غيابه.

خامساً: لبنان أمام خيارات واضحة

في ضوء هذه التجارب، يبدو أن لبنان يقف أمام ثلاثة خيارات:
الخيار الأول: الاكتفاء بطباعة فئات أكبر.
وهو الأسهل تقنياً والأقل كلفة سياسية، لكنه لا يعالج أسباب الأزمة.
الخيار الثاني: حذف الأصفار من دون إصلاحات.
وهو إجراء شكلي لن يؤدي إلى استعادة الثقة.
الخيار الثالث: الإصلاح أولاً ثم إعادة التقييم.
وهو المسار الأصعب، لكنه الوحيد الذي أثبتت التجارب الدولية قدرته على تحقيق نتائج مستدامة.

سادساً: ما الذي يحتاجه لبنان فعلاً؟

لا يمكن مقاربة مستقبل العملة بمعزل عن الإصلاح الشامل. فالاستقرار النقدي لا يُبنى بقرار منفصل، بل عبر مسار متكامل يقوم على:
إصلاح المالية العامة وضبط العجز وإعادة هيكلة الإنفاق.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي والدين العام ضمن إطار عادل وشفاف.
حماية حقوق المودعين أصحاب الودائع المشروعة، سواء كانوا مقيمين أو مغتربين، باعتبارهم ضحايا الانهيار لا مسؤولين عنه، مع توزيع عادل للخسائر على الجهات التي ساهمت في إنتاج الأزمة والاستفادة منها.
استعادة الثقة بالقطاع المصرفي ومؤسسات الدولة.
تعزيز استقلالية السياسة النقدية وشفافيتها.
استكمال متطلبات إعادة اندماج لبنان في النظام المالي الدولي والخروج من العزلة المالية.
معالجة واقع الدولرة المرتفعة تدريجياً، بما يعيد الاعتبار إلى الليرة اللبنانية من خلال الثقة لا الإلزام.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمغتربين اللبنانيين، الذين شكّلت تحويلاتهم لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. فالمغترب الذي فقد الثقة بقدرة الدولة على حماية جنى عمره لن يعود للاستثمار أو الادخار في وطنه ما لم يقتنع بأن حقوقه مصانة وأن دولة المؤسسات عادت إلى القيام بدورها.

خاتمة: الجرأة على الإصلاح قبل الجرأة على تغيير الأرقام

لبنان اليوم لا يستطيع تحمل خطأ إضافي في الملف النقدي.
فإصدار فئات نقدية أكبر قد يكون إجراءً تقنياً تفرضه ضرورات التداول، لكنه ليس خطة إنقاذ.
وحذف الأصفار ليس علاجاً سحرياً، ولا ينبغي أن يتحول إلى أولوية في ظل استمرار الأزمة وفقدان الثقة.
إن التحالف الوطني اللبناني يتمسك بالليرة اللبنانية بوصفها رمزاً للسيادة الاقتصادية، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون للإصلاح المالي والمؤسساتي واستعادة الثقة بالدولة والقطاع المصرفي.
وعند تحقيق قدر كافٍ من الاستقرار، يمكن عندها دراسة إعادة تقييم العملة، بما في ذلك حذف الأصفار، كخطوة تقنية تتوّج نجاح مسار الإصلاح، لا كبديل عنه.
فالإجابة النهائية على سؤال العنوان ليست أن الملايين تنقذ الليرة، ولا أن حذف الأصفار وحده ينجح.
ما ينقذ العملة هو الإصلاح.
والعملة الجديدة، إن جاءت يوماً، يجب أن تكون نتيجة لاستعادة الثقة، لا محاولة لتعويض غيابها.

Picture of سوزان أبو زكي

سوزان أبو زكي

رئيسة اللجنة الإقتصادية في التحالف الوطني اللبناني

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain