بين التفاوض والردع: ماذا تقول ملامح الصفقة المحتملة بين واشنطن وطهران؟

نمير شاهين

ما يجري بين واشنطن وطهران لا يشبه مفاوضات تقنية عادية حول النووي أو العقوبات. نحن أمام محاولة لإخراج مواجهة عسكرية غير محسومة من الميدان إلى الطاولة، وأمام اختبار فعلي لشكل التوازن الجديد في المنطقة. السؤال لم يعد فقط هل يحصل اتفاق، بل أي اتفاق هذا، وعلى حساب من، وبأي نتائج؟

في الظاهر، البنود تبدو واضحة: يورانيوم قد يُنقل إلى دولة ثالثة، أموال مجمدة قد يُفرج عن جزء منها، تخفيف محتمل للعقوبات، وفتح أوسع أمام تجارة النفط الإيرانية. لكن خلف هذه العناوين، هناك واقع أكثر عمقًا: لا واشنطن نجحت في فرض نتيجة سياسية حاسمة بالقوة، ولا طهران قادرة على تحويل صمودها العسكري إلى مكسب اقتصادي من دون تسوية تفتح لها باب الخروج من الضغط المالي.

أهم ما يكشفه هذا المسار أن التفاوض لا يبدأ من موقع نصر أميركي واضح.
الضربة العسكرية، وفق القراءة المتداولة، لم تحقق أهدافها الأساسية. إيران امتصت الهجوم، ردّت، وأثبتت أنها قادرة على فرض كلفة. وهذا يغيّر معنى التفاوض نفسه. لم يعد مجرد استكمال للضغط، بل صار أيضًا مخرجًا من مواجهة لم تنتج الحسم الذي كانت تريده واشنطن. لذلك يبدو أن إدارة ترامب تبحث عن تسوية تنهي جبهة مكلفة، أكثر مما تترجم تفوقًا مكتملًا.

في المقابل، لا يعني ذلك أن إيران خرجت رابحة بالكامل.
صحيح أنها منعت كسرها، وأظهرت قدرة على الصمود، لكن أزمتها الأساسية ما تزال قائمة: الاقتصاد. إيران تحتاج إلى تخفيف العقوبات، إلى أموال، إلى تجارة، وإلى متنفس يعيد تشغيل اقتصادها. لذلك فإن قوتها الحالية هي قوة تفاوض وردع، لا قوة استقرار اقتصادي. لقد تفادت الهزيمة، لكنها لم تحقق بعد شروط الخروج من الأزمة.

العقدة الأهم ستبقى في مسألة السيادة النووية.
هل يُطلب من إيران أن تضع اليورانيوم خارج أراضيها؟ وهل يُسمح لها بأن تبقي منشآت التخصيب داخل إيران؟ وإذا بقيت، فبأي شروط؟ هل تبقى محصنة تحت السيادة الإيرانية، أم تصبح مكشوفة ومقيدة وقابلة للوصول المباشر؟ هذه ليست تفاصيل تقنية. هذه صلب الصراع. لأن أي تنازل في هذا الملف سيُقرأ داخل إيران كتنازل سيادي، وأي تمسك كامل به قد يعرقل الصفقة من أساسها.

وهناك نقطة أخرى شديدة الحساسية: ما يُقال عن مطلب أميركي بوقف الدعم الإيراني لحزب الله وحماس.
إذا كان هذا الطرح جديًا، فنحن لا نتحدث فقط عن اتفاق نووي، بل عن محاولة لإعادة رسم الدور الإقليمي لإيران. هنا تصبح المفاوضات أوسع بكثير من ملف التخصيب والعقوبات، وتمس مباشرة شبكة النفوذ التي بنتها طهران في المنطقة. والسؤال ليس فقط هل تقبل إيران، بل كيف ستتعامل مع هذا الشرط: كتراجع استراتيجي، أم كإعادة تموضع بشروط جديدة؟

في الخلفية، دول الخليج تراقب بحذر.
ما يهم هذه الدول ليس فقط حصول اتفاق أميركي إيراني، بل ما إذا كان هذا الاتفاق سيمنع تكرار الانفجار. الخليج دفع كلفة عالية من عدم الاستقرار، ويحتاج إلى ضمانات تحمي مراكزه المالية، وممراته التجارية، وبناه التحتية، ومناخه الاستثماري. لذلك، أي تفاهم لا ينتج حدًا أدنى من الاستقرار الإقليمي سيبقى ناقصًا، وربما قصير العمر.

وما يزيد الغموض أن الملفات الأشد خطورة، مثل الصواريخ الباليستية وأنظمة السلاح المتقدمة، لا تبدو مطروحة بجدية حتى الآن.
وهذا يعني أحد أمرين: إما أن الطرفين يؤجلان الملفات الأصعب لتسهيل اتفاق أولي، أو أن سقف التفاهم الممكن ما يزال محدودًا جدًا. وفي الحالتين، نحن أمام تسوية جزئية تؤجل بعض أسباب الصراع بدل أن تعالجها بالكامل.

في الخلاصة، الولايات المتحدة تبدو كأنها تبحث عن مخرج دبلوماسي من مواجهة لم تنجح في حسمها عسكريًا. وإيران تفاوض من موقع أقوى مما كان متوقعًا، لكنها ما تزال بحاجة إلى إنقاذ اقتصادي. أما الإقليم، وخصوصًا الخليج، فينظر إلى المشهد من زاوية مختلفة: ليس من ربح الجولة الماضية، بل من يملك القدرة على منع الجولة المقبلة.

لذلك، ما يجري اليوم ليس مجرد تفاوض على النووي، بل اختبار لتوازن إقليمي جديد.
إيران أثبتت أنها قادرة على الرد والتحمل. والولايات المتحدة أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض النتيجة السياسية. لكن بين منع الانفجار وبناء الاستقرار مسافة كبيرة. وإذا لم تتضمن أي صفقة مقبلة ضمانات حقيقية وترتيبات قابلة للحياة، فقد لا تكون أكثر من هدنة مؤقتة تسبق مواجهة أخرى.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain