حين تتحول أرض لبنان إلى ساحة لحروب الآخرين، أسئلة مكررة بحثا عن أجوبة محرمة

في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، يعود اللبناني ليكتشف الحقيقة نفسها: لبنان ليس من يقرر، لكنه دائمًا من يدفع الثمن.

اليوم ودائما، تقف الولايات المتحدة بكل ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي دفاعًا عن إسرائيل.
حاملات طائرات، أنظمة دفاع جوي، مليارات الدولارات من الدعم، وضغط دبلوماسي عالمي لحماية أمن إسرائيل وتفوقها.

وفي المقابل، تقف إيران أيضا بكل ثقل مشروعها الإقليمي خلف حزب الله، باعتباره رأس حربة استراتيجيتها في المنطقة، وخط دفاع متقدم عن نفوذها الإقليمي ومشروعها السياسي والعسكري.

المشكلة ليست فقط في وجود هذا الصراع.
المشكلة أن جزءًا كبيرًا من هذا الاشتباك يُدار فوق الأرض اللبنانية، فيما الدولة اللبنانية نفسها عاجزة، ومُبعدة عن القرار.

الأميركي يدافع عن إسرائيل لأنها مصلحة أميركية والإيراني يدافع عن حزب الله لأنه مصلحة إيرانية.

أما اللبناني، فمن يدافع عن أمنه واقتصاده وقراه ومن يتحمل كلفة الموت والدمار والنزوح والهجرة؟

الأخطر من الحرب نفسها هو محاولة مصادرة حق اللبناني في التفكير أو النقاش.

فحين ينتقد لبناني تحويل بلده إلى ساحة مواجهة مفتوحة، أو يرفض أن تُتخذ قرارات الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، يواجه فورًا موجة تخوين جاهزة: عميل، مطبّع، خائن أو متآمر على “المقاومة”.

وكأن مجرد السؤال هل مصلحة لبنان تقتضي هذه الحرب؟  أصبح جريمة سياسية وأخلاقية.

لكن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن إيران نفسها تفاوض “الشيطان الأكبر” عندما تحتاج إلى ذلك.
تفاوضت في الملف النووي، وفتحت قنوات مباشرة وغير مباشرة مع واشنطن، وخاضت مساومات دقيقة لحماية نظامها ومصالحها وتخفيف الضغوط عنها.

أي أن الدولة الإيرانية تمنح نفسها حق البراغماتية السياسية عندما يكون أمنها ومصلحتها على المحك.

أما اللبناني، فيُطلب منه أحيانًا أن يعيش فقط داخل الشعارات، حتى لو احترق وطنه بالكامل.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يهرب منه الجميع:
إذا كانت الدول الكبرى تتفاوض عندما تتطلب مصالحها ذلك، فلماذا يُمنع اللبناني حتى من مناقشة مصلحته الوطنية؟

ولماذا يصبح الدفاع عن الدولة اللبنانية والقرار السيادي وحق المؤسسات وحدها بقرار الحرب والسلم، موضع شبهة أو تخوين؟

في أي دولة طبيعية في العالم، قرار الحرب لا تتخذه الأحزاب ولا الطوائف ولا المحاور الخارجية.
بل الدولة وحدها، لأنها وحدها تتحمل مسؤولية الدم والاقتصاد والمستقبل.

أما في لبنان، فالمأساة أن الشعب يدفع الكلفة، بينما القرار موزع بين مشاريع أكبر من لبنان نفسه.

وهنا يجب قول الحقيقة كما هي:
لبنان لا يستطيع الاستمرار كأرض مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ولا يستطيع شعبه أن يبقى وقودًا دائمًا في حروب الآخرين.

ليس المطلوب تخوينًا مضادًا، ولا شتائم، ولا انقسامًا أهليًا جديدًا.
المطلوب شيء أبسط وأعمق: أن يستعيد اللبناني حقه الطبيعي في السؤال، وفي النقاش، وفي الاعتراض، وفي تحديد مصلحة بلده من دون خوف.

لأن أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي وطن، ليس فقط أن يُحتل قراره، بل أن يصبح شعبه ممنوعًا حتى من التفكير بكيفية إنقاذه.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain