خطران على البلاد: المارونية السياسية والشيعية السياسية

الخطر على لبنان هو الخطر على سيادة الدولة، وهو ناجم عن تركيبة طائفية تمنح الطوائف فيه حيزاً من السلطة السياسية على هامش الدولة وعلى حسابها. والأخطر في تجليات هذه الظاهرة أن سادة الطائفية يستظلون السيادة ويدعون الدفاع عنها، ويمحورون الصراعات عليها حول قضية العروبة.
عروبة لبنان إذن هي المعيار، لكنه معيار مطاط. المارونية السياسية تذرعت بأنظمة العروبة الاستبدادبة لتعلن الخصومة معها، من أيام الناصرية حتى التسلط البعثي على العراق وسوريا مدعومين بالمعسكر الاشتراكي، حتى باتت الخصومة مع الأنظمة خصومة مع العروبة ذاتها، من غير انتباه إلى هذا المنزلق النظري والسياسي البالغ الخطورة، الذي أدى إلى التورط في التحالف ذات مرة مع إسرائيل.
في الذرائع وجوه حق، منها غياب الديمقراطية وحكم العسكر والحزب الواحد وإعطاء العروبة مسحة دينية من خلال الربط العضوي، لدى بعض العروبيين، بين العروبة والإسلام، والربط العملي في قيام الجبهات والتحالفات اللبنانية بين القوى الإسلامية والوطنية في مواجهة قوى ذات لون طائفي مسيحي.
غير أن هذه الذرائع استخدمت في غير وجه حق، ضد سيادة الدولة حين وظفت المارونية السياسية دورها، المهيمن على بنية الدولة، في تعزيز الدور السياسي للطوائف والتأسيس لنظام المحاصصة الذي لا يستمد قوته من متانة الوحدة الداخلية بل من توازنات خارجية كلما اهتزت اهتز معها البناء الوطني الداخلي.
المارونية السياسية هي المسؤولة إذن عن بناء أسس انتهاك السيادة الوطنية، وذلك بإحجامها عن بناء الدولة الوطنية اللبنانية، دولة القانون والمؤسسات والانصهار الوطني، وبوقوفها صراحة في وجه المحاولة الشهابية التي سعت إلى بناء مثل هذه السيادة ولم يكتب لمسعاها النجاح ، وذلك لأسباب شتى ، من بينها قيام الحلف الثلاثي المجسد لانزلاق المارونية السياسية في أخطر صوره.

في مواجهة هذا الموقف من العروبة تقف الشيعية السياسية خصوصاً والإسلامية عموماً اليوم موقفاً معاكساً بل مماثلاً، هو في الحقيقة الوجه الآخر للموقف الخاطئ من العروبة. فإذا كان الموقف الأول موقف جفاء وخصومة فالثاني هو موقف التماهي الكامل بعروبة سائدة تجسدها الأنظمة.
وجه التماثل بينهما، رغم كل التناقض الظاهري، يكمن في الإصرار على بناء الوطن على أساس المحاصصة. وإذا كانت الحصة في الموقف الأول لا تتحصل، تبعاً لمنطق أصحابها، إلا بالتمايز عن العروبة والبحث من خارجها عن سبل الدعم، فالحصة في الموقف الثاني لا يمكن تأمينها إلا بالالتحاق بالعروبة والإسلام من خلال تبني موقف سوريا وإيران من القضايا الإقليمية ومترتبات الموقف على الوضع الداخلي اللبناني، الأمر الذي يفضي إلى تعزيز ذرائع الموقف الأول، فيتحصن كل في موقعه ويترسخ الانقسام وتتهدد الوحدة الوطنية، ولأسباب خارجية ظاهرياً بين قوى ترسم بنفسها تصنيفها بين قوى معادية لسوريا وأخرى عميلة لها بالمعنى المتداول بين المتناقضين ظاهرياً والمتماثلين عملياً.
خطر الموقفين المتماثلين قائم في تغييب العوامل الداخلية التي من شأنها وحدها، أو على الأقل قبل سواها، أن تؤمن عناصر الانصهار الوطني. إنه قائم في ديماغوجية تدعي الدفاع عن الوطن في حين أنها لا تدافع إلا عن حصتها فيه، وهي لا تتجرأ طبعاً أن تقول الحقيقة قولا صريحاً، بل تفضل على ذلك التحصن إما بالهروب إلى الأمام نحو القضايا القومية وتفزيع طوائفها بالمخططات الكبرى، إما إلى الوراء باستصغار القضايا الداخلية كالفساد والانهيار الاقتصادي والتهرب منها والتبرؤ من ارتكابها ومن مرتكبيها، إلى أن تحشرها الظروف فلا يبقى لها منجى من التعبير عن حقيقة مواقفها، فينعقد المؤتمر الماروني في أميركا بالذات، وتنعقد سياسة المحاصصة على جسر الأوزاعي.
إننا نضع القضية الاقتصادية جانباً، في صورة مؤقتة، فلا أزمة الجسر ولا ضجة المؤتمر برزتا لأسباب اقتصادية، فضلا عن أن الاختلاف حول القضية الاقتصادية ليس ظاهراً، هذا إن لم نقل إنه ليس موجوداً بين القوى السياسية المهيمنة على البلاد. فالحكومة والمجلس النيابي أقرا معاً، وخلفهما القوى الطائفية كافة، قوانين الضرائب والديون وتلك المتعلقة بالمشاريع الإنمائية أو بتشريع المازوت ثم بحظره، ولا يغير في واقع الأمر شيئا كثرة الخطابات النقدية، من أفواه سياسيين خارج الحكومة وأحيانا داخلها، التي تطاول سياسات التنمية والاقتصاد التي تتبعها الحكومة، فهذا باب آخر من الديماغوجية بين سادة الطوائف الذين يصعب التمييز بين الموالي منهم والمعارض.
وضع الاقتصاد جانباً لا يعني الرغبة في الإبقاء على تحكم العناصر الخارجية في مصير الوضع اللبناني، بل يعني دعوة إلى جعل قضية العروبة قضية داخلية بامتياز، فلا تعود تقاس بالموقف من سوريا خصومة معها أو التحاقاً بها، وهذا وحده الكفيل بعودة المارونية السياسية والشيعية السياسية على السواء إلى جادة العمل السياسي الوطني، لإنقاذ العروبة من خطريهما.
العروبة لدى المارونية السياسية بحاجة إلى إعادة تأهيل، في حين أنها لدى الإسلام السياسي بحاجة إلى فرملة. هي بحاجة لدى الأولى إلى استلهام الحركات القومية الأولى في لبنان التي كان روادها من المسيحيين، والتي انطوت على معاني الانتماء التاريخي والحضاري إلى هذه المنطقة في مواجهة المخططات الاستعمارية، وهي بحاجة لدى الثانية إلى الاقتناع بأن اللبنانيين لا ينتمون إلى العروبة بقوة الوجود السوري أو الفلسطيني المسلح، ولا يقبلون بمنطق إخضاع عروبتهم، كل عقد أو عقدين، لامتحان عسير يهدد وحدتهم ومصيرهم، وأن العروبة ليست قرينا للدين ولا هي خصمه اللدود. هي تعبير عن انتماء سياسي وهو فضاء من الانتماء الروحي والإيديولوجي.

هذا النص غير المنشور كتبته في27 حزيران 2002، وبعد ثلاثة أعوام اغتيل رفيق الحريري وخرج الجيش السوري من لبنان، فاعتلى منبر التعصب قوى طائفية على الضفتين، التيار الوطني الحر في البداية ثم الفدراليون الذين لعبوا الدور بالأصالة، فاستسهلوا التخلي عن إخوتهم في المواطنة، والثنائي الشيعي بالوكالة الذي استبدل الولاء فحل الولي الفقيه محل الأسد إلى الأبد، وتبددت العروبة على مذبح مشروع دموي فئوي عنصري قوامه تعصب مقيت وشعار مذهبي يرفعه النازحون”المتضررون من النصر” ابتهاجاً بالأبابيل الإيرانية: “شيعة شيعة شيعة”.
بعض عقلاء المارونية السياسية في “قرنة شهوان” تطوعوا سابقاً لإنقاذ المارونية السياسية وعقلنة نهجها، فمن سيتابع اليوم رسالة القرنة، ومن سيلعب الدور لإنقاذ الشيعية السياسية من نفسها وإيقاف مفاعيل نكبة الجنوب الجديدة عند هذا الحد؟

 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه ولا تعكس بالضرورة موقف التحالف الوطني اللبناني (LNA)

Picture of محمد علي مقلد

محمد علي مقلد

كاتب وباحث سياسي

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain