قد يبدو العراق ولبنان بلدين مختلفين في المساحة والثروة والتركيبة السياسية، لكن الاقتراب من أزماتهما يكشف نموذجاً متشابهاً بصورة مقلقة: دولة رسمية لها دستور وحكومة وجيش ومؤسسات، وإلى جانبها منظومة أخرى تمتلك السلاح والنفوذ والمال، وتستطيع تعطيل القرار الرسمي عندما يتعارض مع مصالحها.
في بغداد كما في بيروت، تتكرر العناوين نفسها أمام المجتمع الدولي: حصر السلاح بيد الدولة، مكافحة الفساد، إصلاح المصارف، ضبط الحدود، منع غسل الأموال، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون. تتغير أسماء المسؤولين، لكن قائمة التعهدات تبقى واحدة، حتى تكاد الخطابات السياسية في البلدين تبدو نسخاً متبادلة.
المشكلة، في جوهرها، ليست أن الحكومات لا تعرف ما يجب فعله. الجميع يعرف أن الدولة لا تستقيم بوجود سلاح مستقل عن قرارها، وأن الاقتصاد لا يتعافى في ظل التهريب، وأن المصارف لا تستعيد ثقتها عندما تتحول إلى ممرات للأموال السياسية المشبوهة. لكن المعرفة شيء، والقدرة على التنفيذ شيء آخر تماماً.
في العراق ولبنان، لم يعد السلاح الخارج عن سلطة الدولة مجرد ترسانة عسكرية مخبأة في مستودعات. لقد أصبح جزءاً من النظام السياسي نفسه. يمتلك ممثلين داخل البرلمانات، وحلفاء في الحكومات، ونفوذاً في الإدارات، وقدرة على التأثير في التعيينات والقوانين والانتخابات والحدود والصفقات العامة.
هنا تكمن الصدمة الحقيقية: السلاح لا يحمي منظومة الفساد من خارج الدولة فحسب؛ بل قد يصبح جزءاً من آلية إنتاج السلطة داخلها.
لقد نجحت إيران، عبر الحرس الثوري وشبكات القوى المرتبطة به، في بناء نماذج نفوذ تتكيف مع خصوصية كل بلد. في العراق، جرى ذلك من خلال تعدد الفصائل المسلحة، وارتباط بعضها بهياكل سياسية وحزبية واقتصادية. وفي لبنان، تمركزت القوة العسكرية والسياسية بصورة أكبر داخل حزب الله، الذي جمع بين السلاح والتنظيم الحزبي والتمثيل البرلماني والنفوذ الحكومي والاجتماعي.
الوسائل ليست متطابقة، لكن النتيجة متقاربة: تصبح الدولة موجودة من الناحية القانونية، لكنها محدودة السيادة من الناحية العملية. تستطيع إصدار القوانين، لكنها لا تستطيع دائماً تطبيقها. تعيّن حكومات، لكن قرارات الحرب والسلم قد تبقى خارج سلطتها. تضع موازنات، بينما تتحرك إلى جانبها اقتصادات نقدية وشبكات مالية لا تخضع بالكامل للرقابة.
وبمرور الوقت، ينتقل أثر السلاح من الأمن والسياسة إلى الاقتصاد. فالقوة المسلحة تحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى مسارات للتحويل والنقل والتغطية. ومن هنا تنشأ العلاقة العضوية بين السلاح غير الشرعي والاقتصاد الموازي والتهريب وغسل الأموال والفساد المصرفي.
هذه ليست معادلة نظرية. فقد واجه العراق، طوال سنوات، اتهامات وضغوطاً متعلقة بتهريب الدولار واستخدام النظام المصرفي لنقل الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات. وفي لبنان، كشفت الأزمة المالية منذ عام 2019 هشاشة النظام المصرفي، وسوء الإدارة، وتداخل المصالح السياسية بالمصرفية، وغياب الشفافية عن حجم كبير من التحويلات والحسابات والودائع.
كما أظهرت الأزمة أن لبنان لم يكن جزيرة مالية معزولة، بل كان جزءاً من حركة أموال إقليمية تشمل سياسيين ورجال أعمال وشبكات نفوذ من دول متعددة، بينها العراق. لكن أي حديث عن أسماء محددة أو ملكية ودائع أو تحويلات بعينها يجب أن يستند إلى وثائق قضائية أو مصرفية موثوقة، لا إلى التداول الإعلامي وحده. فخطورة المنظومة لا تحتاج إلى ادعاءات غير مثبتة لكي تبدو صادمة؛ الوقائع البنيوية نفسها كافية.
الأكثر خطورة هو أن الفساد في البلدين لم يعد مجرد سرقة للمال العام. لقد تحول إلى وسيلة حكم. تُستخدم الوظائف لتوزيع الولاءات، والعقود لتمويل الشبكات، والمصارف لتحريك الأموال، والمعابر لتمرير التجارة، والقوانين لحماية النفوذ. وعندما تقترب الدولة من هذه المصالح، تتعرض الحكومات للضغط أو الشلل أو الإسقاط.
لهذا السبب تفشل برامج الإصلاح مراراً. قد يُقر قانون مصرفي جديد، لكن يبقى الاقتصاد النقدي خارج السيطرة. قد تُعلن حملة لمكافحة الفساد، لكن القضاء يصطدم بالحماية السياسية. قد تتعهد الحكومة بضبط الحدود، لكن المعابر غير الشرعية تستمر. وقد يُرفع شعار حصر السلاح، من دون وجود قوة سياسية قادرة على تحويله من شعار إلى قرار تنفيذي.
في العراق، توفر الثروة النفطية للدولة قدرة على تأجيل الانفجار وشراء الاستقرار الاجتماعي، ولو مؤقتاً. أما لبنان، الذي يفتقر إلى هذه الموارد، فقد وصل أسرع إلى لحظة الانهيار: ودائع محتجزة، عملة منهارة، مؤسسات متآكلة، وهجرة واسعة للكفاءات. العراق يستطيع تمويل ضعفه لفترة أطول؛ لبنان لم يعد يمتلك هذا الترف.
ومع ذلك، فإن جوهر الأزمة واحد: لا يمكن إصلاح النظام المصرفي بينما توجد قوى أقوى من أجهزة الرقابة. ولا يمكن مكافحة غسل الأموال من دون ضبط الحدود والاقتصاد النقدي. ولا يمكن مواجهة الفساد عندما يمتلك المتهمون به القدرة على تعطيل القضاء أو التأثير في القرار السياسي. والأهم، لا يمكن استعادة السيادة من دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح.
لا تعني هذه المقارنة أن كل أزمات العراق ولبنان صُنعت في طهران، ولا أنها تعفي الطبقات السياسية المحلية من مسؤولياتها. على العكس، لم يكن النفوذ الإيراني ليتوسع لولا وجود قوى محلية رأت فيه وسيلة لحماية سلطتها أو تعزيز حصتها أو مواجهة خصومها. الخارج اخترق الدولة، لكن الداخل فتح له الأبواب، وشرّع حضوره، وشارك في توزيع مكاسبه.
لذلك، فإن المعركة ليست فقط بين دولتين وإيران، بل داخل كل بلد أيضاً: بين من يريد دولة تحتكر القوة والقرار، ومن يستفيد من بقاء السلطة موزعة بين المؤسسات الرسمية وشبكات السلاح والنفوذ.
قد يسمع المسؤولون الأميركيون والدوليون من بيروت وبغداد الوعود نفسها: إصلاح المصارف، مكافحة الفساد، حصر السلاح، واستعادة السيادة. لكن السؤال الذي لم يعد يحتمل الإجابات الدبلوماسية هو: هل تملك الحكومات فعلاً القدرة على تنفيذ ما تعد به، أم أنها تطلب من الخارج مساعدة دولة لا تستطيع حتى الآن أن تحكم كامل أراضيها ومالها وقرارها؟
الخطر ليس أن يتشابه لبنان والعراق في خطاباتهما السياسية. الخطر أن يصبح هذا التشابه دليلاً على نموذج إقليمي كامل: دول تحتفظ بأعلامها ودساتيرها ومؤسساتها، فيما تُدار أجزاء أساسية من سيادتها من خارجها، وتُترك شعوبها لدفع ثمن منظومة تجمع بين السلاح والمال والفساد.
وما لم تُفكك هذه الحلقة، لن يكون الإصلاح سوى إدارة أكثر أناقة للانهيار.