
د. ماجد محمد شرف الدين
في مقالته الفكرية المحورية “قوة المستضعفين” ،التي كُتبت عام ١٩٧٨، يقدّم فاكلاف هافل الكاتب والرئيس التشيكي الذي تحدث كثيراً عن أزمة الأخلاق في السياسة وغياب الحقيقة في الأنظمة السياسية، قراءة عميقة وأصيلة لطبيعة عمل الأنظمة السلطوية الحديثة. وعلى خلاف التصوّر التقليدي الذي يرى أن هذه الأنظمة تقوم أساسًا على القمع البوليسي أو العسكري، يبيّن هافل أن مصدر قوتها الحقيقي يكمن في مكان آخر: في القبول اليومي، العادي، وغالبًا المستسلم، من قبل المواطنين أنفسهم. فالسّلطة، في نظره، لا تُحافَظ عليها بالخوف وحده، بل أساساً بالمشاركة الطوعية في الكذب.
الكذب بوصفه أساس النظام
يصف هافل ما يسميه «الديكتاتورية ما بعد الشمولية»، وهو نظام لم تعد الأيديولوجيا فيه موضع إيمان حقيقي، بل تُكرَّر باستمرار كطقس فارغ. الأفراد يدركون أن الخطاب الرسمي أجوف، زائف أو منافق، ومع ذلك يواصلون الانصياع له. هذا الامتثال ليس دائمًا نتيجة الإكراه؛ بل هو في كثير من الأحيان امتثال داخلي. يطيع الناس لتجنّب المتاعب، للحفاظ على مسارهم المهني، أو لعدم لفت الانتباه. وهكذا يتغذّى النظام على طاعة روتينية، شبه آلية.
المثال الأشهر في هذا المقال هو مثال البقّال الذي يعلّق في واجهة متجره الشعار:
«يا عمّال العالم، اتحدوا!».
هذا البقّال لا يؤمن بالشعار. وهو لا يعلّقه عن قناعة أيديولوجية، بل ليُظهر ولاءه، وليؤكد أنه «يلعب اللعبة». هذا الفعل، الذي يبدو تافهًا في ظاهره، هو في الواقع جوهري: إذ يساهم في الحفاظ على وهم أن الجميع يؤيد النظام.
التواطؤ اليومي
بالنسبة لهافل، لا تقوم السلطة السلطوية على من يحكمون فحسب، بل على شبكة واسعة من السلوكيات اليومية التي تعيد إنتاج الكذب. فكل مواطن يقبل بترديد عبارة جوفاء، أو تعليق شعار لا يؤمن به، أو التزام الصمت إزاء حقيقة واضحة، يشارك في استقرار النظام. وهكذا يتحوّل النظام إلى بنية جماعية، تُحافَظ عليها عبر ملايين التنازلات الفردية الصغيرة.
هذا التحليل صادم ومقلق، لأنه ينقل المسؤولية. فالمشكلة ليست فقط «في الأعلى»، عند القادة، بل أيضًا «في الأسفل»، داخل المجتمع نفسه. فالمواطن ليس مجرد ضحية؛ بل هو أيضاً، وإن على مضض، فاعل في النظام.
في مثل هذه الأنظمة لا تكمن الأزمة فقط في الاقتصاد أو في المؤسسات، بل في ثقافة سياسية كاملة تقوم على التعايش مع الوهم. وهكذا تتحول السياسة إلى مسرح كبير للكلمات، فيما تبقى الدولة فكرة مؤجلة.
تصبحون على وطنٍ لم نستحقه أبداً
د. ماجد محمد شرف الدين
منسق مادة عناصر التحليل الاقتصادي
جامعة مونتريال – كندا