القرض الحسن تحت الضغط: هل بدأت معركة الدولة مع البنية المالية الموازية؟

في هذا التحقيق، نقرأ ملف “القرض الحسن” من زاوية أوسع: ليس بوصفه مؤسسة مالية مرتبطة بحزب الله فقط، بل كاختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها المالية والقانونية، وحماية الناس من انهيار جديد خارج أي مظلة ضمان.

لا تكمن أهمية ملف القرض الحسن في الضغوط التي يتعرض لها وحده، بل في ما يكشفه عن أزمة أعمق: وجود دورة مالية موازية داخل لبنان، تعمل على هامش النظام المصرفي والرقابي، وتتمتع بغطاء سياسي واجتماعي أقوى من قدرة الدولة على ضبطها.

اليوم، يتقدم هذا الملف من الهامش إلى قلب الاشتباك المالي والسيادي. فالمعطيات الواردة في المادة الأساسية تشير إلى أزمة تمويل خانقة يواجهها حزب الله، وتراجع قدرة إيران على الدعم، وتعقّد قنوات التحويل، واهتزاز الغطاء القانوني والإداري الذي كان يسمح للقرض الحسن بالاستمرار داخل منطقة رمادية بين الواقع والشرعية.

السؤال لم يعد فقط: هل يتعرض القرض الحسن لضغط؟
بل: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تتعامل مع هذا الملف كملف سيادي لا كتعقيد إداري؟

على السطح، يبدو الملف وكأنه يتعلق بمؤسسة مالية تابعة لبيئة حزب الله، تعرضت لضربات أمنية وضغوط مالية وعقوبات خارجية. لكن الوقائع تشير إلى أن المسألة أوسع من ذلك.

في تشرين الأول/أكتوبر 2024، استهدفت إسرائيل فروعًا للقرض الحسن في بيروت والجنوب والبقاع، باعتباره جزءًا من البنية المالية المرتبطة بحزب الله. وذكرت تقارير إعلامية أن الضربات طالت عددًا من الفروع والمنشآت المرتبطة بالمؤسسة، في إطار توسيع إسرائيل نطاق ضرباتها من البنية العسكرية إلى البنية المالية للحزب.

وفي السياق نفسه، تعتبر وزارة الخزانة الأميركية القرض الحسن مؤسسة تعمل تحت غطاء جمعية غير حكومية، لكنها تقدم خدمات شبيهة بالخدمات المصرفية، وتقول إنها تُستخدم لدعم حزب الله والالتفاف على الرقابة المالية والعقوبات. وقد أوضحت الخزانة الأميركية في بيان سابق أن الجمعية تعمل بموجب ترخيص من وزارة الداخلية اللبنانية، لكنها تمارس وظائف مالية خارج الإطار المصرفي المنظم. (U.S. Department of the Treasury)

أما التطور الأحدث والأخطر، فهو ما أوردته وزارة الخزانة الأميركية في شباط/فبراير 2026 عن شركة “جود”، التي قالت إن مسؤولين في القرض الحسن أنشأوها أو استخدموها للالتفاف على العقوبات، وإنها تعمل في مناطق ذات حضور شيعي وتحت إشراف فعلي من القرض الحسن. هذا المعطى مهم لأنه يعني أن الضغط على المؤسسة الأم قد لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكيك الشبكة، بل قد يدفعها إلى إعادة إنتاج نفسها بأسماء وأدوات جديدة. (U.S. Department of the Treasury)

المادة الأساسية التي بين أيدينا تضيف معطى لبنانيًا بالغ الحساسية: أن وزارة الداخلية أعفت المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين من منح القرض الحسن “الإنفاق السنوي” ابتداءً من عام 2026، بما يعني، وفق القراءة المطروحة، اهتزاز الوضع القانوني للمؤسسة وتراجع الغطاء الإداري الذي كان يتيح استمرارها. هذه النقطة تحتاج إلى تثبيت رسمي إضافي، لكنها إن صحت، تنقل الملف من خانة الضغط الخارجي إلى خانة القرار اللبناني الداخلي.

المعنى الأهم هنا أن القرض الحسن لم يعد مجرد أداة مالية داخل بيئة حزبية. هو عنوان لمنظومة موازية: تمويل، إقراض، ودائع، ذهب، شبكة ثقة، وحركة أموال خارج رقابة مصرف لبنان بالمعنى التقليدي.

وهنا تكمن خطورة الملف. فمصرف لبنان لا يتعامل مع القرض الحسن كمصرف خاضع لسلطته المباشرة، فيما تقول تقارير متخصصة إن دور المصرف المركزي بقي محصورًا أكثر في منع المصارف وشركات التحويل من التعامل مع جهات غير مرخصة، لا في إغلاق المؤسسة نفسها أو إخضاعها كليًا للرقابة المصرفية. (الحرة)

هذا يعني أن الدولة تجد نفسها أمام كيان يمارس جزءًا من وظائف النظام المالي، لكنه لا يخضع لقواعده. لا ضمان ودائع. لا رقابة مصرفية فعلية. لا شفافية كافية حول حجم الالتزامات. ولا آلية واضحة لحماية الناس في حال الانهيار.

الأخطر أن الضغط على القرض الحسن يأتي في لحظة أوسع من الضغط على حزب الله نفسه. فقد تحدثت Reuters في أيار/مايو 2026 عن أن حزب الله يواجه خسائر متراكمة ونزوحًا واسعًا ورد فعل سياسيًا داخليًا، في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل رغم وقف إطلاق نار أميركي الوساطة. (Reuters)

كما نقلت Reuters في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن مسؤول في الخزانة الأميركية أن واشنطن ترى فرصة لقطع تمويل إيران لحزب الله، وأن التمويل الإيراني للحزب يشكل عنصرًا مركزيًا في قدرته على الاستمرار والتأثير. (Reuters)

بمعنى أوضح: القرض الحسن ليس ملفًا منعزلًا. إنه جزء من معركة أوسع على مصادر القوة غير العسكرية لحزب الله: المال، الخدمات، الشبكات الاجتماعية، القدرة على التعويض، والقدرة على الإمساك بالبيئة عبر الحاجة والثقة والانتماء.

أمنيًا

أمنيًا، يضع هذا الملف لبنان أمام نسخة مالية من معضلة السلاح. فكما توجد بنية أمنية خارج احتكار الدولة، توجد أيضًا بنية مالية لا تخضع بالكامل لاحتكار الدولة ولا لرقابتها.

هذا لا يعني أن معالجة الملف يجب أن تكون فوضوية أو انتقامية. العكس تمامًا. أي خطوة غير مدروسة قد تحوّل الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية داخل بيئات فقيرة ومرهقة أصلًا. لكن تجاهل الملف يعني عمليًا قبول استمرار اقتصاد موازٍ يتداخل فيه السياسي بالأمني بالمالي.

هنا يصبح السؤال السيادي مباشرًا: هل تستطيع الدولة أن تضبط المال إذا لم تستطع ضبط السلاح؟ وهل يمكن بناء دولة فعلية فيما توجد داخلها مؤسسات تؤدي وظائف مصرفية واجتماعية خارج نظامها القانوني؟

سياسيًا

سياسيًا، الملف يختبر جدية الدولة اللبنانية. فالضغط الأميركي أو الإسرائيلي لا يكفي لصناعة قرار لبناني. إذا بقيت الدولة متفرجة، سيبدو الأمر وكأن لبنان ينتظر الخارج كي يحسم ملفات سيادته نيابة عنه.

المادة الأساسية تذهب إلى خلاصة واضحة: القرار لا يجب أن يبقى موزعًا بين الإدارات أو مخفيًا خلف التعقيدات القانونية، بل ينبغي أن يُحسم على مستوى الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء.

وهذه نقطة جوهرية. لأن التعامل مع القرض الحسن كملف إداري صغير يخطئ في تقدير حجمه. المسألة لا تتعلق بتجديد ورقة أو عدم تجديدها، بل بسؤال: من يملك حق تنظيم المال في لبنان؟ الدولة أم القوى الموازية؟

معيشيًا ومؤسساتيًا

معيشيًا، الخطر الأكبر يقع على الناس لا على القيادات. كثيرون تعاملوا مع القرض الحسن من موقع الحاجة، أو الثقة، أو الانتماء، أو بسبب فقدان الثقة بالمصارف اللبنانية بعد انهيار 2019. وبالتالي فإن أي سقوط غير منظم سيضرب مودعين أو أصحاب ذهب أو مقترضين لا يملكون غالبًا حماية قانونية كافية.

وهنا يجب أن يكون خطاب LNA دقيقًا: المشكلة ليست مع الناس الذين وضعوا أموالهم هناك. المشكلة مع النظام الذي دفعهم إلى البحث عن بدائل خارج الدولة، ثم تركهم بلا ضمان إذا انهارت تلك البدائل.

لبنان عاش أصلًا انهيارًا مصرفيًا ضخمًا منذ 2019، وقد ناقشت الحكومة اللبنانية مشاريع لمعالجة خسائر القطاع المالي وتوزيعها بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمودعين، في ظل خسائر قُدّرت سابقًا بنحو 70 مليار دولار أو أكثر. (Reuters)

لذلك، أي انهيار إضافي في مؤسسة مالية موازية لن يكون مجرد تفصيل داخل بيئة حزبية. سيكون تكرارًا لنمط لبناني مألوف: مؤسسات تعمل، أموال تتحرك، ثقة تُبنى، ثم عند الانهيار يكتشف المواطن أنه وحده أمام الخسارة.

العقدة الفعلية ليست في القرض الحسن وحده، بل في قبول الدولة اللبنانية، لعقود، بوجود مناطق رمادية داخل سيادتها.

القرض الحسن هو نتيجة لا سبب فقط. هو نتيجة انهيار الثقة بالمصارف. نتيجة ضعف الرقابة. نتيجة تغوّل حزب مسلح داخل المجتمع. نتيجة عجز الدولة عن توفير بدائل ائتمانية واجتماعية عادلة. ونتيجة ثقافة سياسية اعتادت أن تترك الملفات الحساسة تكبر إلى أن تصبح أكبر من قدرة الدولة على ضبطها.

لكن العقدة الأخطر اليوم أن تفكيك مؤسسة واحدة لا يعني تفكيك المنظومة. فبيان الخزانة الأميركية عن “جود” يشير إلى احتمال انتقال الوظائف المالية إلى شبكات بديلة، مرخصة شكليًا أو أقل وضوحًا، بما يسمح بإعادة إنتاج النشاط بعيدًا عن الاسم الأصلي. (U.S. Department of the Treasury)

وهذا يعني أن أي مقاربة جدية يجب ألا تكتفي بالسؤال: ماذا نفعل بالقرض الحسن؟
بل يجب أن تسأل: كيف تمنع الدولة قيام بديل آخر بالوظيفة نفسها؟

إذا لم تُطرح المسألة بهذا العمق، فقد يسقط الاسم ويبقى النظام. وقد تُغلق واجهة وتفتح واجهات أخرى. وقد يخرج لبنان من مؤسسة موازية إلى شبكة موازية أكثر صعوبة في المراقبة.

في المرحلة المقبلة، هناك ثلاث نقاط حاسمة يجب مراقبتها:

  1. قرار الحكومة اللبنانية
    هل ستتعامل الحكومة مع الملف كقضية سيادة مالية، أم ستتركه في الأدراج الإدارية؟ النقطة المحورية هي ما إذا كان سيصدر موقف رسمي واضح حول الوضع القانوني للمؤسسة، وحدود عملها، ومسؤولية الدولة تجاه المتعاملين معها.
  2. مصير المودعين والذهب والالتزامات
    يجب مراقبة ما إذا كانت هناك عمليات سحب انتقائية، أو تمييز بين مودعين، أو نقل أصول، أو إعادة ترتيب داخلية قبل أي قرار رسمي. الخطر الاجتماعي هنا كبير، لأن الخسارة لن تطال خطابًا سياسيًا بل عائلات وأفرادًا وضعوا مدخراتهم في مؤسسة خارج الحماية المصرفية.
  3. الشبكات البديلة
    الأهم من مصير القرض الحسن كاسم هو مصير الوظيفة التي يؤديها. هل تنتقل إلى “جود” أو غيرها؟ هل تتحول إلى ذهب، كاش، شركات واجهة، جمعيات، أو عملات مشفرة؟ المعركة الحقيقية ستكون على البنية لا على اللافتة.

في الخلاصة، لا يدور ملف القرض الحسن فقط حول مؤسسة مالية مرتبطة بحزب الله. إنه اختبار لمعنى الدولة في لبنان.

إذا كانت الدولة لا تعرف حجم الأموال، ولا تملك سلطة رقابية واضحة، ولا تستطيع حماية المودعين، ولا تحسم قانونية مؤسسة تمارس وظائف مالية خارج النظام المصرفي، فالمشكلة ليست فقط في حزب الله. المشكلة في دولة فقدت جزءًا من حقها في تنظيم المال داخل أراضيها.

لكن في المقابل، أي معالجة يجب أن تكون مسؤولة لا انتقامية. المطلوب ليس ترك الناس يدفعون الثمن مرة أخرى، بل وضع مسار واضح: حماية المتعاملين الضعفاء، كشف الالتزامات، منع تهريب الأصول، وقف إعادة إنتاج الشبكات الموازية، وإعادة الملف إلى سلطة القانون.

القرض الحسن اليوم ليس تفصيلًا ماليًا.
إنه مرآة صافية لأزمة لبنان: دولة رسمية تعيش إلى جانب قوى تملك مالها وسلاحها ومؤسساتها وجمهورها.

والقرار الذي يواجه لبنان واضح:
إما أن تبدأ الدولة باستعادة معناها المالي والقانوني،
وإما أن تواصل التفرج على انهيار بنية غير شرعية، فيما يدفع الناس الثمن مرة أخرى.

ينطلق التحالف الوطني اللبناني من أولوية واضحة: حماية الناس، صون الاستقرار، والدفع نحو دولة قادرة تمسك قرارها ومؤسساتها، لأن كلفة الفوضى يدفعها اللبنانيون أولًا.

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain