نحن نصدّر أبناءنا… ثم نستورد منهم المال

حين نقارن لبنان بإسرائيل، نذهب عادة إلى السلاح والطائرات والصواريخ وموازين القوى العسكرية. لكن هناك مقارنة أخرى أعتقد أنها أكثر أهمية بالنسبة إلينا كلبنانيين: ماذا تفعل كل دولة بإنسانها؟

هنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات لبنان.

منذ عام 2019، يغادر شبابنا وأطباؤنا ومهندسونا وأساتذتنا ورواد أعمالنا وأصحاب الاختصاص. والمفارقة أن كثيرين منهم، عندما يصلون إلى كندا أو فرنسا أو الخليج أو الولايات المتحدة أو أستراليا، ينجحون ويتقدمون ويتولون مسؤوليات كبيرة.

إذاً، المشكلة ليست في اللبناني ولا في قدرته على النجاح. المشكلة في بلد لا يوفر له ما يكفي من الأسباب كي يبقى.

نحن ننفق سنوات طويلة وجزءاً كبيراً من مدخرات عائلاتنا على تعليم أبنائنا. ثم يتخرج الطبيب ليبحث عن مستشفى في الخارج، والمهندس عن شركة في الخارج، والمبرمج عن بيئة تكنولوجية تحتضن قدراته، ورائد الأعمال عن مكان يوفر له التمويل والاستقرار والقانون.

وبعد سنوات، نفتخر بأن طبيباً لبنانياً أصبح مرجعاً في مستشفى عالمي، أو أن مهندساً لبنانياً وصل إلى موقع متقدم في شركة كبرى، أو أن رجل أعمال لبنانياً نجح في بناء مؤسسة خارج وطنه.

ومن حقنا أن نفتخر بهم.

لكن علينا أيضاً أن نسأل سؤالاً أكثر إزعاجاً: لماذا يستطيع العالم أن يستثمر باللبناني أكثر مما يستطيع لبنان؟

بالنسبة إليّ، هذا السؤال ليس اقتصادياً فقط. إنه في صلب معنى الدولة.

ماذا نتعلم من خصمنا؟

لا أطرح إسرائيل نموذجاً للبنان، ولا أدعو إلى استنساخ تجربة أحد. لدينا تاريخنا ومجتمعنا وهويتنا ومصالحنا الوطنية.

لكن من الخطأ أيضاً ألا ندرس خصومنا. معرفة مصادر قوة الخصم ليست إعجاباً به، بل جزء من معرفة نقاط ضعفنا نحن.

إسرائيل تواجه اليوم تحديات جدية: حروباً واستنزافاً عسكرياً، وانقسامات سياسية واجتماعية، وارتفاعاً في كلفة المعيشة، وضغوطاً دولية، وحتى ارتفاعاً مقلقاً في أعداد الإسرائيليين الذين يختارون الهجرة.

ومع ذلك، فهي تواجه هذه الأزمات باقتصاد يتجاوز حجمه 600 مليار دولار، وبجامعات ومراكز أبحاث، وقطاع تكنولوجي متقدم، وإدارة ومؤسسات قادرة على جمع الضرائب وتعبئة الموارد وتنفيذ القرارات.

أما نحن، فنواجه أزماتنا بعدما انهار جزء كبير من اقتصادنا، وضُرب القطاع المصرفي، وتراجعت الإدارة العامة، وغادر عدد كبير من أصحاب الخبرة والكفاءة.

لهذا، عندما أنظر إلى ميزان القوى بين لبنان وإسرائيل، لا أرى فقط فارقاً في السلاح.

أرى فارقاً في قدرة الدولة على تنظيم مواردها وتحويلها إلى قوة.

وهذا، بالنسبة إليّ، أكثر ما يجب أن يقلقنا.

القوة ليست دبابة فقط

علينا في لبنان أن نعيد النظر في مفهومنا للقوة الوطنية.

الدولة لا تصبح قوية فقط لأنها تملك جيشاً وسلاحاً. تصبح قوية أيضاً عندما تملك جامعة تنتج المعرفة، ومدرسة تبني جيلاً قادراً على المنافسة، وقضاءً يحمي الحقوق، وإدارة تنفذ القرار، ومستشفى يستطيع الاحتفاظ بأطبائه، وشركات تستطيع النمو، واقتصاداً يوفر للشباب فرصة حقيقية.

حتى قدرة الشاب على التخطيط لحياته في بلده هي، في رأيي، مؤشر من مؤشرات قوة الدولة.

لذلك لم تعد هجرة الكفاءات بالنسبة إليّ مسألة اجتماعية أو اقتصادية وحسب.

لقد أصبحت قضية أمن قومي.

فالدولة التي تفقد أفضل شبابها سنة بعد سنة قد تبقى موجودة على الخريطة، وقد تبقى مؤسساتها مفتوحة، لكنها تفقد تدريجياً الأشخاص القادرين على إعادة بنائها.

نحن نصدّر الإنسان

هنا تكمن إحدى مشكلات النموذج الاقتصادي اللبناني.

في الدول التي تنجح، يتعلم الإنسان ثم يجد مؤسسة أو شركة تستفيد من معرفته. تتحول هذه المعرفة إلى عمل وإنتاج، وينمو العمل إلى شركات ووظائف، وتدفع هذه الشركات والموظفون الضرائب، فتستخدم الدولة جزءاً من هذه الموارد لتحسين التعليم والبنية التحتية والمؤسسات، فتخلق بدورها فرصاً جديدة لجيل آخر.

إنها دورة تعيد إنتاج القوة.

أما في لبنان، فكثيراً ما يحدث العكس.

نعلّم الإنسان ونستثمر فيه، ثم يصل إلى سوق عمل ضيق ودولة متعثرة واقتصاد غير قادر على استيعاب قدراته. فيغادر. ويبدأ حياته المهنية الحقيقية في الخارج، وينجح هناك، ثم يرسل جزءاً من دخله إلى أهله في لبنان كي يساعدهم على التعليم والطبابة والسكن والاستهلاك.

أي أننا، بطريقة أو بأخرى، نصدّر الإنسان الذي أنفقنا على تعليمه، ثم نستورد جزءاً من المال الذي ينتجه في اقتصاد دولة أخرى.

وهذه معادلة لا يمكن أن نبني عليها نهضة.

والاغتراب ليس صرّافاً آلياً للبنان

لدينا انتشار لبناني واسع في العالم، وهو ربما أحد أكبر الأصول التي ما زال لبنان يملكها.

لكن علاقتنا به بقيت، إلى حد بعيد، محكومة بعقلية قديمة.

ننتظر من المغترب أن يأتي في الصيف، وأن يصرف المال، ويشتري منزلاً، ويساعد عائلته، ويتبرع لقريته أو بلدته.

أنا أريد علاقة مختلفة.

لا أريد فقط مال المغترب. أريد أيضاً خبرته، ومعرفته، وعلاقاته، وقدرته على فتح الأسواق، وربط الشركات اللبنانية بالعالم، وتدريب الشباب، ونقل التكنولوجيا، والمساهمة في بناء مؤسسات أفضل.

لبنان لديه شبكة بشرية عالمية هائلة. مشكلتنا أننا لم نتعامل معها حتى الآن باعتبارها جزءاً من قوتنا الوطنية.

لا تطلبوا من اللبناني العودة… أعطوه سبباً للعودة

من السهل أن نخاطب المغترب بالعاطفة ونقول له: عد إلى وطنك.

لكن الوطنية لا تعني أن نطلب من الإنسان أن يضحي بمستقبل أولاده كي نعفي الدولة من مسؤوليتها.

لا أستطيع أن أطلب من لبناني بنى حياته في مونتريال أو باريس أو دبي أو سيدني أن يترك عمله، وتأمينه الصحي، ومدرسة أولاده، والاستقرار الذي بناه، ثم يعود فقط لأننا ذكّرناه بحبه للبنان.

المطلوب هو العكس.

علينا أن نبني بلداً يجعله يفكر من تلقاء نفسه بالعودة.

عندما يجد قضاءً يمكن الوثوق به، ومدرسة جيدة لأولاده، وإنترنت وكهرباء وبنية تحتية، وفرصة للاستثمار من دون أن يحتاج إلى واسطة، عندها تصبح العودة احتمالاً حقيقياً.

نريد أن نجعل العودة قراراً عقلانياً، لا تضحية عاطفية.

لا أريد استعادة لبنان القديم

وأعتقد أن هناك خطأ آخر نرتكبه عندما نتحدث عن النهوض: نقول دائماً إننا نريد أن «نعيد لبنان كما كان».

أنا لا أريد لبنان كما كان.

لو كان نموذجنا السابق سليماً لما وصلنا إلى هنا.

ما نحتاجه هو دولة مختلفة في طريقة عملها: اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، وإدارة عامة رقمية تُقاس بنتائجها، وتعليم مرتبط بالوظائف التي سيحتاج إليها العالم بعد عشر سنوات، واستثمار جدي في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتخصصة، وقضاء يحمي المواطن والمستثمر.

والأهم، أن تصبح الكفاءة أهم من الواسطة والمحاصصة.

الإصلاح بالنسبة إليّ ليس أن نغير أسماء الأشخاص الذين يديرون النظام ثم نترك طريقة عمله كما هي.

الإصلاح الحقيقي هو أن نغير طريقة عمل الدولة نفسها.

من سيبني لبنان؟

نتحدث يومياً عن السلاح والسيادة، وعن المصارف والودائع، وعن إعادة الإعمار، والكهرباء والإدارة والقضاء.

وكلها قضايا مصيرية.

لكن هناك سؤالاً أريد أن أضعه قبلها جميعاً:

من سيبقى ليقوم بكل ذلك؟

من سيعيد بناء الاقتصاد إذا غادر رواد الأعمال؟

كيف نصلح المستشفيات إذا فقدنا أطباءنا وممرضينا؟

كيف نطور جامعاتنا إذا غادر الباحثون والأساتذة؟

ومن سيدير الدولة بعد عشر سنوات إذا كان جزء كبير من الجيل الذي يفترض أن يقودها يبني حياته ومستقبله في مكان آخر؟

لهذا أرى أن معركة لبنان في السنوات المقبلة ليست فقط معركة حدود وسيادة واقتصاد.

هناك معركة أخرى تجري بهدوء، وقد تكون نتائجها أكثر ديمومة:

المعركة على الإنسان اللبناني.

لقد خسرنا منذ عام 2019 أموالاً وفرصاً ومؤسسات وسنوات من أعمار الناس. ويمكن، بصعوبة، إعادة بناء الاقتصاد. ويمكن إصلاح مصرف. ويمكن إنشاء محطة كهرباء. ويمكن إعادة بناء منزل هدمته الحرب.

لكن هناك خسارة أصعب بكثير.

حين يغادر شاب في الخامسة والعشرين، ويبني مهنته في الخارج، ثم يتزوج هناك، ويولد أولاده هناك، ويدخلون مدارسهم ويكوّنون صداقاتهم وهويتهم هناك، لا نكون قد خسرنا مهاجراً واحداً فقط.

قد نكون خسرنا عائلة لبنانية من الجيل القادم.

لهذا يجب أن يبدأ مشروع بناء الدولة من الإنسان.

أن نجعل لبنان مكاناً يستطيع أبناؤه أن ينجحوا فيه، وأن نجعل من غادر يشعر بأن هناك دولة تستحق أن يعود إليها، وأن نحول انتشارنا في العالم من نتيجة لفشل الدولة إلى شريك في نهضتها.

فأغلى ما يملكه لبنان ليس الذهب، ولا العقارات، ولا المساعدات التي قد تأتي من الخارج.

أغلى ما يملكه لبنان هو اللبناني نفسه.

وإذا استمررنا في خسارته، فلن يبقى السؤال: كيف نبني لبنان؟

سيصبح السؤال الأصعب:

لمن نبنيه؟

 

 

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد التحالف الوطني اللبناني: تحويل الإحباط اللبناني إلى قوة وطنية منظمة، وإعداد جيل جديد لا يكتفي بالاعتراض على الانهيار، بل يستعد لتحمّل مسؤولية القيادة وبناء الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول استعادة ودائع اللبنانيين ومواجهة منظومة النهب المصرفية ـ السياسية: التصعيد خيارنا | دبابات العدو تعبر الليطاني ومعركة النبطية تقترب | التحالف الوطني اللبناني يطلق مبادرته التربوية من أجل مجتمع متعاف وموحد |