في قراءة سياسية وقانونية للمسار اللبناني الراهن، قدّم المحامي أمين بشير، مقاربة شديدة الوضوح لملف التفاوض مع إسرائيل، محذرًا من الذهاب إلى أي مسار مباشر من موقع الضعف أو خارج الأصول الدستورية، ومشدّدًا على أن أي تفاوض يجب أن يجري باسم لبنان ومصلحته الوطنية، لا باسم موازين القوى الإقليمية أو حسابات المحاور.
لا تفاوض قبل وقف إطلاق النار
يرى بشير أن النقاش القائم اليوم لا يقتصر على شكل التواصل مع إسرائيل، بل يطال جوهر المسار نفسه: هل يذهب لبنان إلى مفاوضات مباشرة، أم يعود إلى اتفاقات الهدنة كإطار أقل كلفة وأكثر انسجامًا مع واقعه الحالي؟
لكن، أياً يكن الشكل، فإن القاعدة بالنسبة إليه ثابتة: لبنان لا يجب أن يدخل أي مفاوضات قبل إعلان وقف إطلاق النار. ويشير إلى أن مطلب وقف النار كان في الأساس الشرط الأول الذي طُرح تمهيدًا لأي نقاش، إلا أن الجانب الإسرائيلي سرعان ما رفع سقف مطالبه إلى ما يتجاوز هذا الإطار الأولي.
ويحذّر بشير من أن لبنان لا يبدو اليوم في موقع يسمح له بفرض شروطه، لأن ميزان القوة لا يعمل لمصلحته، ما يجعل أي تفاوض تحت النار أو تحت الضغط مفتوحًا على مزيد من الابتزاز السياسي والأمني.
التفاوض ليس استطلاع رأي… بل مسألة دولة
في مقاربته للمسار الدستوري، يلفت بشير إلى أن التفاوض، إذا قُرر الذهاب إليه، لا يمكن أن يُدار بعقلية جسّ النبض أو الاتصالات غير الرسمية. فهذه، برأيه، مسألة دولة بكل معنى الكلمة، ويجب أن تسلك الأصول القانونية والدستورية كاملة.
ويشدد على أنه إذا قرر رئيس الجمهورية المضي في التفاوض، فإن أي اتفاق أو تفاهم يجب أن يعود إلى مجلس الوزراء، ثم إلى مجلس النواب، وفقًا للأصول. فالدولة لا تُدار بالمزاج السياسي ولا بالارتجال، خصوصًا في ملفات تمس السيادة والحرب والسلم.
حزب الله… لبنان أم إيران؟
وفي قراءته للدور الداخلي والإقليمي، يذهب بشير إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يتصرف في هذا الملف من موقع الدفاع عن حزب الله، الذي يُنظر إليه بوصفه “الأخ الأكبر” داخل المعادلة الحالية.
ومن هنا، تبرز الخشية الأساسية لديه: إذا دخل حزب الله في التفاوض، فهل سيفاوض لمصلحة لبنان أم لمصلحة إيران؟ ويشير في هذا السياق إلى معطيات تفيد بأن وزير الخارجية الإيراني أبلغ رئيس الجمهورية أن أوراق حزب الله مطروحة على طاولة التفاوض في إسلام آباد، ما يعكس، في نظره، حجم التداخل بين القرار اللبناني والحسابات الإيرانية.
لذلك، يشدد بشير على أن التفاوض يجب أن يجري باسم لبنان فقط، وبهدف إنهاء الاحتلال ووضع حدّ للقبضة الإيرانية على القرار اللبناني، لا تثبيت هذه القبضة بصيغة أخرى.
معضلة السلاح: من يملك القرار ومن يملك القدرة؟
يطرح بشير سؤالًا أساسيًا في قلب هذا النقاش: كيف يمكن للطرف اللبناني الرسمي أن يفاوض الأميركيين أو غيرهم حول نزع السلاح، فيما هو في الأصل لا يملك القدرة على نزعه، لا عمليًا ولا سياسيًا؟
ومن هنا، يفتح الملف على احتمال تدخل قوى دولية أو ترتيبات خارجية، في ظل إدراك متزايد بأن ميزان القوة الداخلي لا يسمح بحسم هذا الملف بسهولة. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن القدرات العسكرية لحزب الله لم تعد كما كانت، بعدما تعرضت لاهتزازات واضحة نتيجة:
- إقفال طرق الإمداد الإيرانية عبر العراق وسوريا،
- تشديد الرقابة على الحدود،
- تجفيف بعض مصادر التمويل تحت وطأة العقوبات الأميركية،
- وتعزيز الرقابة على المطار.
سوريا: تأثير مضبوط على الحدود
في مقاربته للوضع السوري، يصف بشير سوريا بأنها العدو غير الإسرائيلي الوحيد في المشهد المعقد المحيط بلبنان. ويشير إلى أن التقدم الذي حققه أحمد الشرع داخل سوريا جرى احتواؤه عند الحدود من جانب حزب الله، بما منع تمدده إلى الداخل اللبناني.
ويضيف أن الشرع نفسه اختار عدم توسيع انتصاره نحو لبنان، تفاديًا للوقوع في اتهامات بدعم فئات أو طوائف محددة، معتبرًا أن الرئاسة اللبنانية لعبت أيضًا دورًا في منع ترجمة هذا التحول السوري داخليًا في لبنان.
ملف السجناء: إنساني وسياسي في آن
وفي الشق الداخلي، توقف بشير عند ملف السجناء السياسيين، معتبرًا أنه ملف مزدوج: إنساني وسياسي في الوقت نفسه. وأوضح أن كثيرًا من التوقيفات جرت تحت عنوان مكافحة الإرهاب، مع استخدام بعض هذه الملفات لإقناع الخارج بأن الدولة اللبنانية تتعامل بجدية مع هذا الملف.
كما أشار إلى تباين في مقاربة السجناء الإسلاميين السوريين: فبعضهم وقّع اتفاقات مع الدولة اللبنانية، فيما بقي آخرون داخل دائرة الاحتجاز أو الملاحقة. وفي حين يريد السجناء السوريون الإفراج عنهم والعودة إلى بلادهم، يرى بشير أن السجناء اللبنانيين ما زالوا يخوضون معركة مفتوحة من أجل حريتهم وحقوقهم.
تبدل موقع الرئاسة واختلال التوازن
وفي قراءته للتطورات السياسية الأخيرة، يعتبر بشير أن تبدل موقف رئيس الجمهورية أحدث خللًا في التوازن السياسي، إلى درجة أن البعض بات ينظر إليه على أنه أصبح أقرب إلى الفريق المقابل مما كان يُنتظر منه عند وصوله إلى الرئاسة.
ويشير إلى أن هذا التحول يثير أسئلة حول التطمينات التي أُعطيت سابقًا عند انتخابه، وحول المسافة الفعلية التي لا تزال تفصل بين موقع الرئاسة وبين الاصطفافات السياسية المتصارعة.