الحرس الثوري في لبنان: من داعمٍ خلف الستار إلى لاعبٍ في قلب الجبهة

هذه المرة، لم تكن الأخبار عن حجم خسائر الحرس الثوري في معارك الجنوب مجرد أرقام عابرة. أخذتني إلى مكان مختلف تماماً؛ إلى حقيقة صادمة ظل كثيرون يحاولون تجنب تسميتها: ما جرى لحزب الله خلال حرب إسناد غزة لم يكن مجرد استنزاف، بل هزيمة ساحقة تركت فراغاً كبيراً في القيادة والقاعدة والميدان.

كنا نسمع، خلال حرب إسناد غزة الطاحنة، أن كثيراً من مقاتلي النخبة ابتعدوا عن مناطق الإستهداف وانتقلوا إلى أماكن أكثر أماناً: طرابلس، الحمراء، عاليه، السيدة زينب في دمشق، وحتى النجف في العراق. لم تكن تلك الأحاديث تُقال علناً، لكنها كانت تتكرر بين الناس الذين يعرفون الجنوب ويعرفون أبناءه.

أذكر أن صديقاً من خربة سلم قال لي، وأنا أقدّم له التعازي باستشهاد ابنه بالقصف الإسرائيلي، إن القوات النظامية في الحزب كانت قد غادرت، وإن عشرات الشبان من التعبئة هم الذين بقوا وصمدوا. لم يقلها بغضب، بل بشيء أشبه بالخذلان. كان يتحدث عن شباب لم يتدربوا ليحملوا وحدهم ثقل جبهة كاملة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع أكبر منهم.

وفي بلدة أخرى، كان شاب محسوب على حركة أمل يسخر من أبناء بلدته المنظمين في الحزب، ويصفهم بـ«الأرانب» بعدما فرّوا. لم يكن المشهد مجرد خلاف سياسي أو منافسة محلية. كان انعكاساً لانهيار صورة القوة التي بُنيت طويلاً، وصارت فجأة محل همس وسخرية في القرى نفسها التي دفعت أثمانها الكبرى.

ثم بدأ يتضح أن الحرس الثوري حضر بكثافة في مرحلة متأخرة من الحرب، قبل نهايتها. لم يأتِ فقط بصفته داعماً أو مستشاراً، بل ليملأ فراغات كبيرة في القيادة والقاعدة، وليعوّض خسارة كادرات اختصاصية لم يعد من السهل استبدالها. ومع الإمكانات التي بقيت، بدا أنه أعاد صياغة خطط أكثر واقعية للصمود، وتخلى عن أسلحة ثبت أنها لم تعد فعالة أمام عدو لا يشبه عدو عام 2006.

إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الأمس. جيشها لا يتوقف عن تطوير أدواته، وعن التكيّف مع التكنولوجيا التي تتغير كل لحظة. وما كان صالحاً في حرب سابقة لم يعد بالضرورة صالحاً في حرب تراقب فيها السماء كل حركة، وتتحول فيها الاتصالات والملاجئ والسيارات وحتى الوجوه إلى أهداف محتملة.

يبدو أن قادة الحرس الثوري استخلصوا درساً قاسياً من لبنان: حزب الله وحده لم يعد قادراً على الصمود في مواجهة إسرائيل كما كان يُصوَّر. ومن هنا، ظهر أن دمج الساحتين اللبنانية والإيرانية لم يعد مجرد فكرة سياسية أو عقائدية، بل خياراً عسكرياً تفرضه الحاجة إلى حماية المشروع كله.

لهذا، لم يكن قرار إطلاق الصواريخ الستة مجرد رد أو رسالة. كان لحظة التحاق سريع للساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية، بعدما تلقت الجبهة طوال خمسة عشر شهراً ضربات وتصفيات وخسائر متتالية.

ثم ظهرت روايات زادت المشهد التباساً. مصدر عسكري إسرائيلي قال يوم أمس إن الضغط الإيراني لفرض وقف اطلاق نار في لبنان لم يكن مرتبطاً فقط بتوسيع الجبهة أو الرد على الضربات، بل بمحاولة رفع الحصار عن قيادات إيرانية كانت محاصرة في أنفاق علي الطاهر.

لا أستطيع التعامل مع رواية إسرائيلية كحقيقة مكتملة، لكن مجرد تداولها يفتح سؤالاً مخيفاً: هل كانت قرى الجنوب وسكانها جزءاً من قرار عسكري أكبر منهم، هدفه إنقاذ قيادات أو حماية مسار ميداني إيراني؟

وفي اليوم نفسه، خرج صحافي محسوب على حزب الله ليقول إن الحرس الثوري خسر في جنوب لبنان عشرة آلاف مقاتل. الرقم وحده يفرض الحذر. ليس فقط لأنه ضخم، بل لأنه لا ينسجم بسهولة مع طبيعة الحرب، ولا مع حجم الخسائر التي ظهرت علناً، ولا مع القدرة الفعلية على إخفاء هذا العدد الهائل من القتلى.

أحياناً لا تكون المبالغة مجرد خطأ في التقدير، بل جزءاً من خطاب كامل. خطاب يرى في الموت دليلاً على القوة، وفي تضخيم الخسائر وسيلة لصناعة هيبة، حتى عندما لا تكون الوقائع الميدانية قد أنتجت هذه الصورة.

هذه إحدى أخطر خصائص بروباغاندا ولاية الفقيه: تحويل الموت إلى مادة دعائية. فإذا لم يتحقق الانتصار كما وُعِد به الناس، يجري تعظيم عدد القتلى، وتوسيع حجم التضحيات، وإعادة تقديم الخسارة كأنها بطولة كبرى أو معركة كونية.

المحزن حقا هو أن ثمن كل ذلك لم يُدفع في طهران، ولا في غرف القيادة، بل في قرى الجنوب وبيوت الناس وأرزاقهم ومدارس أولادهم وذاكرتهم.

حين يبدأ أهل الجنوب بالنزوح مجدداً، وتُفتح دفاتر الخوف والدمار والانتظار، يصبح من الصعب ألا نشعر بأن من يقرر عنهم لا يعيش بينهم ولا يحمل وجعهم. كأن هناك مقاتلين غرباء عن الأرض التي يقررون مصيرها، لا تربطهم بأهل الجنوب صلة يومية، ولا يعرفون معنى أن يعود الأب إلى بيت مهدّم، أو أن تنتظر الأم ابنها ولا تعرف إن كان سيعود.

مضى على حضور الحرس الثوري في لبنان أكثر من أربعة وأربعين عاماً. ومع ذلك، بقيت العلاقة بين الطرفين علاقة مشروع وتنظيم وسلاح، لا علاقة مجتمع واحد وحياة واحدة. بقيت هناك حدود غير مرئية: هم يقررون، واللبنانيون يدفعون.

خلال الحرب اتصلت بصديق طفولة بقي في الجنوب. كنت أتوقع أن أسمع منه خوفاً أو تعباً أو حديثاً عن جبهة تنهار. لكنه أجابني بهدوء غريب: «أحوال الجبهة ممتازة، ومقاتلو الحزب لا يزالون على النظام العادي: خدمة ومأذونيات». بقيت عبارته في رأسي طويلاً.

كيف تكون الجبهة «ممتازة»، فيما القرى تُقصف والناس تُهجّر والقيادات تُصفّى؟ وكيف يستمر النظام العادي لمقاتلي الحزب، بينما يبدو أن الأدوار الأساسية في المعركة انتقلت إلى مكان آخر؟

لا أملك جواباً نهائياً، لكن ما أراه اليوم يجعلني أطرح سؤالاً لا يمكن الهروب منه: هل جاء الحرس الثوري فقط ليملأ فراغ الجبهة ويحمي استثماراً امتد أربعة وأربعين عاماً في لبنان؟ أم أن جنوده أصبحوا هم القوة الأساسية، فيما تحوّل مقاتلو حزب الله إلى مضيفين ولوجستيين داخل أرضهم؟

ذلك هو السؤال الأكثر قسوة. لأن الجواب عليه لا يتعلق فقط بمن يقاتل، بل بمن يقرر الحرب، ومن يدفع ثمنها، ومن يبقى تحت الركام عندما تنتهي.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين