حزب الله: عندما تصبح خدمة الأجندة الإيرانية أهم من مقاومة المحتل

تحقيق

عام 1982، تحولت قلعة الشقيف إلى واحدة من أشهر معارك الاجتياح الإسرائيلي للبنان. فبعد قصف مدفعي وجوي كثيف بدأ عصر السادس من حزيران، خاض المقاتلون الفلسطينيون داخل القلعة معركة استمرت حتى صباح اليوم التالي. وتروي المصادر العسكرية التي وثقت المعركة أن لواء غولاني الإسرائيلي تكبد قتلى وجرحى قبل السيطرة على الموقع، فيما قُتل أفراد الحامية الفلسطينية بالكامل تقريبًا.

بعد أكثر من أربعة عقود، عادت القلعة إلى الواجهة مجددًا. لكن المشهد هذه المرة كان مختلفًا. فوفق المعطيات المتداولة، دخل الجيش الإسرائيلي إلى الموقع مجددًا من دون معركة ومن دون خسائر، ما أثار تساؤلات واسعة في الجنوب حول حقيقة الجهوزية العسكرية التي طالما تحدث عنها حزب الله في هذه المنطقة.

لكن ما يتناقله أبناء الجنوب اليوم لا يقتصر على ما جرى في الشقيف.

ففي صور ومحيطها، يروي عدد من شهود العيان روايات متشابهة حول نمط عمل الحزب خلال الأشهر الأخيرة من المواجهات. ويؤكد هؤلاء أن عدداً من العناصر والكوادر العسكرية كانوا يتحركون أو يتمركزون داخل أبنية مدنية أو في محيط منشآت ذات طابع إنساني وخدماتي.

وفي حادثة تعود إلى الساعات التي سبقت وقف إطلاق النار في 17 نيسان، أفاد شهود من المنطقة المحيطة بأوتوستراد الرئيس نبيه بري البحري أن غارة إسرائيلية استهدفت مبنى كان يتردد عليه عدد من عناصر الحزب. ويقول هؤلاء إن المبنى كان يحتوي، بحسب اعتقادهم، على معدات أو عتاد مرتبط بالنشاط العسكري للحزب. كما تداولت الأوساط المحلية أسماء عدد من الشهداء الذين  كانوا داخل المبنى لحظة الاستهداف، فيما بقيت الروايات المتداولة متباينة بشأن هوية جميع الموجودين وطبيعة المهمة التي كانوا يقومون بها.

وفي منطقة مجاورة لمستشفى جبل عامل، يروي سكان محليون أن غارة إسرائيلية عنيفة استهدفت موقعًا  كان يستخدم من قبل الحزب. وبحسب شهادات متقاطعة من أبناء المدينة، فإن الموقع كان يحظى بأهمية خاصة داخل البنية العسكرية للحزب. وقد أدى القصف إلى أضرار واسعة في الحي المحيط وإلى تأثر المستشفى ومرافقه بشكل كبير، ما ترك آثارًا مباشرة على السكان والخدمات الطبية في المنطقة.

كما يتحدث عدد من أبناء صور عن اعتقاد واسع بينهم بأن بعض القيادات والعناصر العسكرية كانت تفضّل العمل أو الاختباء داخل أحياء مدنية مأهولة مثل شارع أبو علي قاسم حيث تمركز أعضاء من الحزب في مبنى عزالدين وتسببوا بدماره بشكل كامل وضياع مخطوطات قديمة لا تعوض ، وهو ما يعتبره كثيرون سببًا إضافيًا في ارتفاع كلفة الحرب على المدنيين والبنية التحتية.

ومن بين الروايات التي تداولها سكان المدينة أيضًا، ما يتعلق بحي صور الأثري ذي الغالبية المسيحية، حيث يقول شهود محليون إن ضغوطًا وتهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة دفعت الجيش اللبناني إلى التدخل وإخراج عدد كبير من الرتب الرفيعة من قيادة الحزب من داخل الحي بعد استهدافهم اليومي من قبل الطيران الحربي المعادي.

 وقد بقيت هذه الروايات موضع تداول واسع بين أبناء المنطقة خلال فترة التصعيد.

هذه الروايات تعكس تحولًا مهمًا في المزاج الشعبي داخل الجنوب. فالنقاش لم يعد يتركز فقط على العدوان الإسرائيلي وخطورته، بل بات يشمل أيضًا سؤالًا داخليًا متزايد الحدة: هل تُدار المواجهة بما يحمي اللبنانيين فعلًا، أم أن لبنان أصبح ساحة تُستخدم لخدمة حسابات إقليمية تتجاوز مصالحه المباشرة؟

هنا تكمن المعضلة الأساسية. فالمقاومة التي يلتف الناس حولها هي تلك التي تدافع عن الأرض وتحمي المجتمع. أما عندما يشعر الناس أن الأحياء السكنية والمستشفيات والبنى المدنية تتحول إلى ملاذا للهاربين من المعركة، فإن الثقة تبدأ بالتآكل، ويصبح السؤال مشروعًا: هل ما زال الهدف حماية لبنان، أم أن لبنان بات يدفع ثمن أولويات لا يشارك في رسمها؟

وفي ظل استمرار ارتباط قرار الحزب بالمحور الإيراني، تتعزز لدى شريحة متزايدة من اللبنانيين قناعة بأن السلاح لم يعد يُستخدم  في إطار مواجهة إسرائيل، بل أصبح جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، يدفع اللبنانيون كلفته البشرية والاقتصادية والأمنية بشكل متكرر.

لهذا السبب، لا يختصر سقوط قلعة الشقيف اليوم حدثًا عسكريًا فحسب، بل يفتح بابًا أوسع لمراجعة سؤال أساسي: هل يحتاج لبنان إلى مزيد من السلاح خارج الدولة، أم إلى دولة قادرة وحدها على حماية الأرض والناس واتخاذ قرار الحرب والسلم باسم جميع

اللبنانيين؟

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين