لبنان وطن بلا رؤية استراتيجية، لبنان رهينة الزعامات والرهانات الخارجية

 

يتميّز معظم رجال السياسة في لبنان بأنهم لم ينجحوا، منذ عقود، في بناء رؤية وطنية استراتيجية طويلة الأمد تحفظ الدولة وتؤسس للاستقرار الحقيقي. فغالبية القرارات الكبرى لم تُتخذ انطلاقاً من مصلحة لبنان العليا، بل خضعت للحسابات الطائفية الضيقة، والمصالح الشخصية، والرهانات الخارجية، وردّات الفعل الآنية التي كانت تؤجل الانفجار بدل أن تمنعه.

لقد عاش لبنان سلسلة طويلة من الفرص الضائعة، لأن طبقته السياسية اعتادت إدارة الأزمات بدل حلّها. فبدلاً من بناء دولة قوية بمؤسسات عادلة وجيش موحّد واقتصاد منتج، جرى تكريس نظام يقوم على المحاصصة والتوازنات الهشّة، حيث أصبحت الدولة ضعيفة أمام الطوائف، والطوائف ضعيفة أمام الخارج، والخارج هو المستفيد الأكبر من انقسام اللبنانيين.

لم ينجح رجال السياسة في وضع استراتيجية دفاعية واضحة تحمي لبنان من الحروب والتدخلات، كما لم ينجحوا في تحييد البلاد عن صراعات المنطقة. فاليسار في لبنان ربط مصير لبنان بمحور خارجي، معتقداً أن الحماية تأتي من الخارج لا من وحدة الداخل، حتى أصبح الوطن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وعلى المستوى الاقتصادي، ارتكبت أخطاء كارثية عبر عقود من الاستدانة والفساد والاعتماد على الاقتصاد الريعي، من دون أي رؤية للإنتاج أو الصناعة أو حماية الطبقة الوسطى. جرى بيع الأوهام للبنانيين تحت شعارات الازدهار والاستقرار المالي، بينما كانت الدولة تتآكل من الداخل حتى انهارت المؤسسات وفقد المواطن ثقته بمستقبل وطنه.

أما في التربية والثقافة الوطنية، فقد فشل السياسيون في بناء هوية لبنانية جامعة. بقي اللبناني يُربّى على الانتماء الطائفي قبل الانتماء الوطني، وعلى الولاء للزعيم قبل الولاء للدولة، مما جعل الانقسامات تتوارث جيلاً بعد جيل. وهكذا تحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام وجودي يهدد الكيان نفسه في كل أزمة.

إن المشكلة الأساسية في لبنان ليست فقط في الأزمات، بل في غياب رجال دولة حقيقيين يمتلكون رؤية استراتيجية وشجاعة تاريخية لاتخاذ قرارات صعبة تحفظ الوطن على المدى البعيد. فالدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالخطابات العاطفية، بل بقيادات تعرف كيف تحمي السيادة، وتبني المؤسسات، وتفرض القانون، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار حزبي أو طائفي أو خارجي.

لقد آن الأوان لكي يدرك اللبنانيون أن بقاء لبنان لا يمكن أن يقوم على التسويات المؤقتة والرهانات الخارجية، بل على مشروع وطني واضح يعيد الاعتبار للدولة، وللهوية اللبنانية، ولمفهوم المصلحة الوطنية العليا. لأن الأوطان التي تعجز عن اتخاذ خيارات استراتيجية صائبة ومستدامة تبقى دائماً عرضة للانهيار والتفكك مهما امتلكت من طاقات وإمكانات.

Picture of د. ماجد شرف الدين

د. ماجد شرف الدين

منسق مواد التحليل الاقتصادي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد الأسطوري الوطني اللبناني: تحويل الإسبان إلى بيت منظمة، وإعداد جيل جديد بقوة لا تكاد تقاوم الانهيار، بل تستعد لتتحمل مسؤولية قيادة الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول مقاومة ودائع الرببانيين ومواجهة النهب للضوء ـ المقاومة: التصعيد خيارنا | دبابات المعاناة قصيدة الليطاني ومعركة النبطية تقترب | أطلق العنان لمبادرته التربوية من مجتمع متعاف وموحد |