من يملك خطة للنصر، قبل أن يطلب حربًا جديدة؟

بعد أربعة وستين عامًا، يعود السؤال الذي طرحه جمال عبد الناصر عام 1962: من يملك خطة قابلة للتنفيذ لتحرير فلسطين؟ وفي لبنان، يتخذ السؤال اليوم صيغة أكثر إلحاحًا: من يملك مشروعًا للحرب يحقق نتيجة تستحق ما يدفعه اللبنانيون من أرواح وبيوت ومستقبل؟

ليست المقارنة بين المرحلتين تمرينًا في استعادة التاريخ. إنها محاولة لفهم ما يحدث عندما تتسع المسافة بين وعد التحرير والقدرة عليه، وعندما تتحول الشعوب إلى وقود لمشروعات لا تملك حق مراجعتها أو تحديد نهايتها.

كان عبد الناصر أبرز رموز القومية العربية، وملهم القضية الفلسطينية. رغم ذلك فإن الاعتراف بعدم امتلاك خطة لتحرير فلسطين تكشف المأزق الذي واجهته تلك المرحلة: تأييد القضية لا يعني امتلاك القدرة على حسمها، وارتفاع سقف الخطاب لا يعوّض غياب الاستراتيجية.

غير أن صعود القرار الفلسطيني المستقل لم يكن نتيجة تصريح واحد أو انسحاب مفاجئ من جانب عبد الناصر. فقد تأسست «فتح» عام 1959، وانطلق عملها المسلح عام 1965، فيما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. كان المسار أوسع: شعب يسعى إلى امتلاك قضيته بعدما طال انتظاره للأنظمة العربية، وقيادات فلسطينية تريد الخروج من الوصاية إلى الفعل.

حملت تلك اللحظة وعدًا مفهومًا: لن ننتظر الآخرين إلى الأبد. لكن امتلاك القضية لم يضمن امتلاك شروط الانتصار. وبعد الصدام الدامي في الأردن، تعاظم ثقل المقاومة الفلسطينية في لبنان، حيث تداخل الصراع مع إسرائيل مع الانقسامات اللبنانية والحرب الأهلية. ثم جاء اجتياح 1982 وخروج قيادة منظمة التحرير من بيروت لينهي مرحلة مركزية من حضورها العسكري في البلد.

لم تنتهِ فلسطين، ولم تسقط حقوق الفلسطينيين. الذي انتهى كان شكلًا من أشكال إدارة الصراع انطلاقًا من لبنان.

وهنا تبدأ المقارنة مع المرحلة التالية: لماذا لم تتحول نهاية تلك التجربة إلى فرصة لبناء دولة تحمي حدودها وتقرر سياستها؟ ولماذا عاد البلد إلى الدور نفسه، تحت قيادة مختلفة ومرجعية أخرى؟

في أعقاب الاجتياح، ساهم الدعم الإيراني والحرس الثوري في نشوء حزب الله. جمع المشروع الجديد بين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، والتعبئة الدينية، والارتباط بإيران. وكان الاحتلال واقعًا، وكانت مقاومته تستند إلى مظالم فعلية؛ لكن هذا الواقع منح طهران أيضًا مدخلًا لبناء نفوذ طويل الأمد في لبنان.

بين المرحلتين اختلافات كبيرة في العقيدة والتنظيم والبيئة الاجتماعية. إلا أن التشابه اللبناني واضح: قرار عسكري يتجاوز مؤسسات الدولة، وقضية كبرى تُستخدم لتبرير استمرار هذا التجاوز، وشعب يتحمل نتائج قرارات لا يشارك في اتخاذها.

وخلال العقود التالية، تراكمت لدى حزب الله قدرات عسكرية وتنظيمية ضخمة. لكن الحروب الأخيرة كشفت حدود هذه القدرات وكلفة الارتباط بالصراع الإقليمي. وقد وثّقت رويترز كيف أعاد الحرس الثوري بناء القيادة العسكرية للحزب بعد الضربات الإسرائيلية عام 2024، تمهيدًا للحرب التي خاضها لاحقًا دعمًا لطهران. هذه الوقائع تضع السؤال اللبناني في مكانه الصحيح: من يحدد متى تُفتح الجبهة، ولأي غاية، ومن يتحمل الحساب؟

لا يصح إعلان زوال حزب الله أو نهاية النفوذ الإيراني لمجرد تلقيهما ضربات قاسية. فالقدرة على إعادة التنظيم والتمويل ما زالت قائمة. لكن استمرار التنظيم لا يثبت نجاح استراتيجيته، كما أن تعويض منزل مدمر لا يجيب عن سؤال ضرورته الأولى: لماذا دُمّر، وهل كان ممكنًا تجنيب أصحابه هذه الكارثة؟

هنا يعود سؤال الجدوى. ما الهدف السياسي المحدد من الجولة المقبلة؟ ما شروط تحقيقه؟ وما معيار الفشل؟ وإذا كان ميزان القوى لا يسمح بتحقيق الوعود، فهل تصبح مواصلة الحرب حفاظًا على الحقوق، أم حفاظًا على الخطاب الذي بُني حولها؟

وفي المقابل، لا يجوز تقديم الحل السلمي كتعويذة. إسرائيل مسؤولة عن اعتداءاتها، وعن احترام السيادة اللبنانية وحقوق المدنيين، ولا يمنحها فشل خصومها براءة أو حقًا مفتوحًا في استخدام القوة. لذلك يحتاج أي مسار سلمي إلى مضمون: انسحاب، وأمن للحدود، وعودة للنازحين، وإعمار، وضمانات قابلة للمتابعة، ودولة تملك صلاحية التفاوض وقدرة الدفاع.

وتضيء تجارب القادة العرب جوانب مختلفة من هذا المأزق. عبد الناصر جمع بين التعبئة القومية وإدراك قيود القوة، من دون أن يحمي ذلك مصر من كارثة 1967. والسادات انتقل من حرب 1973 إلى التفاوض ومعاهدة السلام، في مسار استعاد لمصر سيناء وأثار خلافًا عربيًا عميقًا. أما حكم الأسدين فجمع بين خطاب المواجهة واستمرار احتلال الجولان، فيما ترسخت في الداخل سلطة أمنية امتدت عقودًا.

لا يحتاج لبنان إلى نسخ أي تجربة منها. يحتاج إلى استخلاص سؤالها المشترك: هل تُقاس السياسة ببقاء الحاكم والتنظيم، أم بما يستعيده المجتمع من أرض وأمن وحرية؟

أمام اللبنانيين الآن مسؤولية تتجاوز الاختيار بين شعارات متقابلة. عليهم أن يقرروا هل يبقى بلدهم جبهة يمكن تحريكها عند كل أزمة إقليمية، أم يصبح دولة تحدد مصالحها وتدافع عنها بمؤسساتها. وهل يُسمح بمراجعة استراتيجية الحرب من دون تخوين أصحاب السؤال؟ وهل يستطيع أبناء الجنوب المطالبة بالأمان من دون أن يُطلب منهم إثبات وطنيتهم بالتضحية الدائمة؟

أخطر ما قد يلي هذه الحروب أن يتغير راعي الساحة ويبقى منطق الساحة. فقد انتهت مرحلة فلسطينية مسلحة في لبنان، ثم نشأت مرحلة إيرانية. وإذا اهتزت الثانية، فهل ننتظر مشروعًا ثالثًا يَعِد بالنصر على الأرض نفسها وبين البيوت نفسها؟

المطلوب اليوم خطة يستطيع اللبنانيون مساءلة أصحابها: من يقرر، وما الهدف، وما الكلفة، وكيف نحمي الناس إذا فشلت الحسابات؟

ومن يريد إقناعهم بحرب جديدة عليه أن يجيب عن هذه الأسئلة قبل أن يطلب منهم دفن أبنائهم. ومن يدعو إلى السلام عليه أن يوضح كيف سيحمي السيادة والحقوق.

بعد كل هذه النكبات، هل نملك شجاعة اختيار مستقبل للبنان، أم سنكتفي مرة أخرى بانتظار نهاية مشروع الآخرين؟

 

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين

إيطاليا تعلن استئناف مفاوضات لبنان وإسرائيل في أيلول | رحب صندوق النقد الدولي بالتعديلات التي أقرّها البرلمان على قانون تسوية البنوك اللبناني في 20 آب، معتبراً ذلك خطوة كبيرة في اتجاه إعادة هيكلة النظام المالي | التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد الأسطوري الوطني اللبناني: تحويل الإسبان إلى بيت منظمة، وإعداد جيل جديد بقوة لا تكاد تقاوم الانهيار، بل تستعد لتتحمل مسؤولية قيادة الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول مقاومة ودائع الرببانيين ومواجهة النهب للضوء ـ المقاومة: التصعيد خيارنا | دبابات المعاناة قصيدة الليطاني ومعركة النبطية تقترب | أطلق العنان لمبادرته التربوية من مجتمع متعاف وموحد |