هل تخطئ واشنطن في فهم النظام الإيراني؟

 

على امتداد أكثر من أربعة عقود، تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع النظام الإيراني انطلاقاً من فرضية وجود صراع داخلي بين تيار “معتدل” يمكن التفاهم معه، وآخر “متشدد” يعرقل أي تسوية. غير أن تطورات السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد المواجهات العسكرية الأخيرة، تطرح تساؤلات جدية حول مدى صحة هذا التصور.

فالوقائع تشير إلى أن مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية تتحرك ضمن استراتيجية موحدة تهدف إلى حماية النظام وتعزيز نفوذه الإقليمي، بينما تقتصر الخلافات الداخلية على أساليب التنفيذ وإدارة الملفات، لا على الأهداف الاستراتيجية. ومن هنا، فإن تصنيف بعض المسؤولين الإيرانيين على أنهم “معتدلون” قد يكون أقرب إلى توصيف دبلوماسي غربي منه إلى حقيقة تعكس بنية النظام.

هذا الفهم يساعد في تفسير كيفية اتخاذ القرارات المصيرية داخل إيران. فالمفاوضات النووية لم تكن نتاج انتصار تيار على آخر، بل جاءت عندما رأت القيادة الإيرانية بمختلف مؤسساتها أن الاتفاق يخدم مصالح الدولة ويمنحها مكاسب استراتيجية دون التخلي عن مشروعها الأساسي.

وتشير التطورات الأخيرة أيضاً إلى أن الرهان على وجود شخصيات إيرانية مستعدة لتغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة قد يكون مبالغاً فيه. فحتى المسؤولون الذين يعتمدون خطاباً دبلوماسياً أكثر هدوءاً ينتمون إلى المنظومة نفسها، ويعملون ضمن الرؤية الاستراتيجية ذاتها، مع اختلاف في أدوات التفاوض لا في جوهر المشروع.

وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام معضلة استراتيجية. فالضربات العسكرية المحدودة، رغم قدرتها على إلحاق خسائر مادية، لا تبدو كافية لتغيير حسابات القيادة الإيرانية أو تقويض قدرتها على إعادة بناء بنيتها العسكرية وبرامجها الصاروخية والطائرات المسيّرة. لذلك، فإن الاكتفاء بسياسة الردود المحدودة قد يؤدي إلى دورة طويلة من التصعيد المتبادل دون تحقيق تغيير استراتيجي حقيقي.

وفي حال استمرار هذا النهج، قد تدخل المنطقة مرحلة استنزاف ممتدة، تتكرر خلالها الهجمات الإيرانية على المصالح الأمريكية والملاحة في الخليج ودول المنطقة، مقابل عمليات عسكرية أمريكية محسوبة تحافظ على الردع، لكنها لا تصل إلى مستوى فرض معادلة جديدة أو إنهاء مصادر التهديد.

إن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في واشنطن لا يكمن في امتلاك أدوات القوة العسكرية فحسب، بل في تشخيص طبيعة النظام الإيراني بصورة دقيقة. فبناء السياسات على افتراضات غير واقعية بشأن الانقسامات الداخلية قد يؤدي إلى سوء تقدير استراتيجي، بينما يبقى فهم آلية اتخاذ القرار داخل طهران شرطاً أساسياً لصياغة سياسة أكثر فاعلية في التعامل مع الجمهورية الإسلامية.

بهذا المعنى، قد لا تكون المشكلة الأساسية في حجم القوة الأمريكية، بل في الطريقة التي تُقرأ بها طبيعة الخصم وأولوياته وحدود استعداده لتقديم التنازلات. فكلما كان التشخيص أدق، ازدادت فرص بناء استراتيجية تحقق الردع والاستقرار، بدلاً من الاكتفاء بإدارة أزمة تتجدد مع كل جولة تصعيد.

Picture of نمير شاهين

نمير شاهين

كاتب وباحث سياسي

شارك على:

جميع الحقوق محفوظة © 2026، التحالف الوطني اللبناني. مدعوم من سلسلة العين