
والدولة ترفض إعادة شحنة ضهر البيدر
وجوهر القرار ليس في من ربح الطعن. جوهره أنّ محكمةً دستورية قرأت قانوناً مادّةً مادّة وقالت: يبقى، لكن بهذه الحدود. والتحفّظ التفسيري الملزم أداةٌ قليلة الاستعمال في لبنان، ومعناها أنّ النصّ لا يُطبَّق على هواه. وتوسيع الاستثناء إلى الجرائم المالية وجرائم المال العام يقول للناس ما هو أوضح من مئة بيان: العفو ليس بوّابةً للفساد.
لكنّ قراراً بلا نشرٍ يبقى نصف قرار. وما يحوّله إلى أثرٍ قابلٍ للقياس ثلاثة إجراءات لا تحتاج قانوناً جديداً: أولاً، نشر القرار كاملاً بحيثياته في الجريدة الرسمية وعلى موقع المجلس، فلا تُقرأ التحفظات من خلال الصحف. ثانياً، تعميمٌ تطبيقي من النيابة العامة التمييزية يترجم التحفظات إلى معايير إفراجٍ مكتوبة وموحّدة بين المحافظات، كي لا يصير الإفراج مسألة اجتهادٍ محلّي. ثالثاً، تقريرٌ علني بعد ستين يوماً بعدد المستفيدين وفئات جرائمهم ونسبة من شملتهم الاستثناءات.
وموقف التحالف الوطني اللبناني من مبدأ العفو لا يتغيّر: نؤيّده حين يكون معالجةً لتأخّر العدالة، ونرفضه حين يصير بوّابة إفلاتٍ من العقاب. وثلاثون يوماً من الإضراب ليست تفصيلاً إنسانياً عابراً: هي مؤشّرٌ على أنّ التوقيف الاحتياطي الطويل صار عقوبةً بلا حكم، وهذه مشكلةٌ لا يحلّها عفوٌ بل إصلاح أصول المحاكمات ومهل التوقيف وتفعيل قاضي تنفيذ العقوبات.
لكنّ الفعل السيادي يحتاج إلى غلافٍ مؤسّسي وإلّا تبخّر. ما نقرأه اليوم كلّه يأتي عبر مصادر غير مسمّاة في الصحف: اسم المسؤول الذي طلب الاستعادة، ومضمون الرفض، واسمٌ مستعار لمن كانت الشحنة في طريقها إليه. هذه ليست وقائع يمكن لمحكمةٍ أن تبني عليها، وهي بالضبط المادة التي تتغذّى عليها معركة الروايات. وما يحمي القرار من التآكل شيءٌ واحد: بيانٌ رسمي دوري من القضاء العسكري أو من مجلس الوزراء يذكر ما يمكن ذكره بلا إضرارٍ بالتحقيق — الوزن، ونوع المادة، وعدد الموقوفين، ومرحلة التحقيق.
وخطر الانزلاق قائم. حين يُدار ملفٌّ جنائي بالتسريب، ينتقل من جمع الأدلّة إلى الصراع السياسي، فيخسر الجميع: القضاء هيبته، والمتّهم حقّه في محاكمةٍ عادلة، والناس حقّهم في معرفة الحقيقة. وقد جرّبنا ذلك في الكحالة وغيرها، وانتهى كلّ شيء إلى لا شيء. لذلك نكرّر ما قلناه أمس: الاتّهام من حقّ القضاء وحده، والاسم المستعار ليس دليلاً، والعنوان ليس حكماً.
وما نطلبه عملياً أربعة أشياء. أولاً، تثبيت تاريخ الضبط رسمياً، فالتفاوت بين 5 و8 تشرين الأول ليس تفصيلاً حين يُبنى عليه تسلسلٌ زمني كامل. ثانياً، حسمُ مرجع الملفّ: هل يبقى أمام القضاء العسكري أم يُحال إلى المجلس العدلي كما طلب وزير العدل، فلكلٍّ من الخيارين كلفته ونتائجه. ثالثاً، حماية المحقّقين ونشر إجراءات الحماية، لأنّ ملفّاً بهذا الحجم يتوقّف عادةً عند أوّل تهديد. رابعاً، تقريرٌ أمني سنوي عن ضبط المتفجرات يحوّل الحوادث المتفرّقة إلى سلسلة بياناتٍ تُبنى عليها سياسة. الدولة لا تُثبت نفسها بشحنةٍ تُضبط، بل بمسارٍ يُعلَن.
والتوضيح القضائي كان أذكى من أيّ بيانٍ سياسي. جملةٌ واحدة من مصدرٍ قضائي — أنّ الإحالة للاطّلاع لا ادّعاء — خفّضت حرارة الملفّ في ساعات، وأعادت الواقعة إلى حجمها الإجرائي. وهذا يثبّت درساً نكرّره: الفراغ في الشرح يملؤه الآخرون. ولبنان يحتاج إلى ناطقٍ باسم القضاء يشرح الإجراء فور وقوعه بلغةٍ مفهومة، بدل أن يُترك تفسير كلّ خطوةٍ قضائية لحسابات التواصل وللمتحدّثين الأجانب.
أمّا جوهر المشكلة فقديمٌ ومعروف: اتّساع اختصاص المحكمة العسكرية. هنا نتّفق مع مضمون الملاحظة لا مع الطريقة. محاكمة المدنيين والديبلوماسيين أمام قضاءٍ عسكري مشكلةٌ في دولة القانون نفسها، وقد طالبت بإصلاحها منظمات حقوقية لبنانية ودولية منذ سنوات. لكنّ تصحيح ذلك شأنٌ تشريعي لبناني: اقتراح قانونٍ يحصر اختصاص المحكمة العسكرية بالعسكريين وبالجرائم ذات الطابع العسكري الصرف، ويُحيل ما عداه إلى القضاء العدلي. وهذا ما يجب أن تفعله اللجان النيابية اليوم لا غداً — لأنّ إصلاحاً يأتي بضغطٍ خارجي يُقرأ تنازلاً، وإصلاحاً يأتي بمبادرةٍ داخلية يُقرأ سيادة.
وما نطلبه ثلاثة أشياء محدّدة. أولاً، بيانٌ من وزارة الخارجية يوضح موقف الدولة من ملاحقة ديبلوماسييها ويحدّد الحماية المتاحة لهم. ثانياً، تسريع البتّ في الإخبار بقرارٍ معلّل يُنشر، فالصمت الطويل هو ما يحوّل إجراءً روتينياً إلى أزمة. ثالثاً، إدراج تعديل اختصاص المحكمة العسكرية على جدول أعمال المجلس النيابي بجلسةٍ محدّدة — لا بوعد.
والضمانة التي لا تُكتب لا تُحتسب. في تاريخ لبنان مع الضمانات الشفهية سجلٌّ طويل من خيبات، من 1982 إلى ما بعدها. الضمانة تصير التزاماً حين تصير نصّاً: ورقةً تحدّد ما يُمتنع عنه، ومدّته، وآلية التحقّق، وما يحصل عند الخرق. وما دون ذلك قراءةُ نوايا، والنوايا لا تحمي قرية.
والتأجيل إلى ما بعد انتخاباتٍ عند الآخرين يضع لبنان في موقع المنتظِر. أن يُربط موعدُ اجتماعٍ عسكري لبناني بـ27 تشرين الأول في إسرائيل وبموعدٍ انتخابي أميركي، يعني أنّ أجندة لبنان تُكتب في مكانٍ آخر. وليست المشكلة في التأجيل بحدّ ذاته — فقد يكون تكتيكاً معقولاً — بل في أن يمرّ شهران بلا أن ينتج لبنان ورقة موقفٍ منشورة تقول ماذا يريد بالضبط: أيّ انسحاب، وبأيّ جدول، وأيّ ترتيبٍ أمني بعد 31 كانون الأول، وأيّ دورٍ للجيش، وأيّ تفويضٍ وتمويلٍ للبعثة الأوروبية. الجاهزية التفاوضية تُقاس بالأوراق لا بالتصريحات.
وأخطر ما في المعادلة المنقولة أنّها تحمّل لبنان مسؤولية ما لا يسيطر عليه. «لا توسيع مقابل عدم إعطاء ذرائع» صيغةٌ تجعل أيّ حادثٍ فردي — عبوةٌ، أو إطلاق نار، أو انفجار مخلّفات — مبرِّراً جاهزاً. ولهذا فإنّ ما يحمي لبنان ليس تعهّداً شفهياً بل ضبطٌ داخلي موثَّق: سجلٌّ وطني للحوادث على الحدود يُنشر أسبوعياً، وقناةٌ عسكرية مفعّلة عبر «الميكانيزم» لتبادل المعطيات قبل أن تتحوّل إلى ذريعة، وخطابٌ داخلي منضبط لا يقدّم للطرف الآخر ما يستعمله ضدّنا.
والنسف في الخيام نوعٌ آخر من الفعل. القصف المدفعي حدثٌ يمرّ، أمّا نسف الأبنية فتغييرٌ دائم في المكان: بيتٌ لا يعود، وعائلةٌ لا ترجع، وخريطة سكنٍ تتبدّل بلا قرارٍ من أحد. ولهذا يجب أن يُوثَّق النسف في بندٍ مستقلّ عن القصف في أيّ سجلٍّ رسمي، مع مسحٍ هندسي للأبنية المنسوفة يُبنى عليه ملفّ تعويضٍ وإعادة إعمار لاحقاً.
وتوقيت هذا كلّه في موسم القطاف ليس مصادفةً بالنسبة إلى من يعيشه. مزارعٌ في بنت جبيل أو مرجعيون يسمع المدفعية ليلاً لا يذهب إلى أرضه صباحاً. وكلّ موسمٍ يضيع ليس خسارةً زراعية فحسب، بل خطوةُ هجرةٍ إضافية من الشريط الحدودي. وما يردّ على ذلك ثلاثة إجراءات ملموسة: جدولة مواكبة أمنية للقطاف في البلدات المعرَّضة، وسجلّ أضرارٍ زراعية مرقَّم يُحدَّث أسبوعياً، وملفّ تعويضاتٍ يُبنى على بياناتٍ لا على شكاوى فردية.
وغياب الحصيلة الرسمية ليس خبراً ساراً. لا نُعلن ليلةً بلا ضحايا لأنّ أحداً لم يُعلن ضحايا؛ نقول ببساطة إنّ الحصيلة غير متوافرة. وهذا بحدّ ذاته فجوةٌ مؤسّسية: دولةٌ لا تنشر حصيلةً يومية عن أرضها تترك الرواية لغيرها.
والردّ الصحيح ليس المنع بل المنافسة. مَن يريد أن يستعيد الناس لا يبدأ بإغلاق صندوق؛ يبدأ بفتح صندوقٍ أفضل وأشفّ. وهذا يعني ثلاثة أشياء: سجلّ أضرارٍ وطني موحّد يُدخَل فيه كلّ بيتٍ متضرّر برقمٍ وصورة ومسحٍ هندسي؛ وآلية تعويضٍ شفافة تُنشر معاييرها ومبالغها ومهلها مسبقاً؛ ولوحة أرقامٍ شهرية تقول كم عائلةً استفادت وكم دُفع وأين. ما ينقص ليس المال وحده — ينقص قبله الإجراء القابل للتدقيق.
ومسألة التمويل مسألة سيادية لا مسألة محاسبة. برنامجٌ بهذا الحجم بلا موازنةٍ معلنة ولا مصدرٍ معلن يضع مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة أمام سؤالٍ لا مفرّ منه: كيف تدخل هذه الأموال وتُوزَّع ضمن النظام النقدي اللبناني؟ وهذا سؤالٌ تقني مشروع، ولا علاقة له بهوية الدافع: أيّ تدفّقٍ نقدي بهذا الحجم خارج القنوات المصرفية يُفاقم اقتصاد الكاش، وهو بالضبط البند الذي يبقي لبنان على اللائحة الرمادية.
ونقولها بوضوح لئلّا يُساء الفهم: أهلنا في الجنوب والضاحية والبقاع يستحقّون تعويضاً عن بيوتٍ خسروها، وليس من حقّ أحدٍ أن يساوم على ذلك. لكنّ التعويض حقٌّ على الدولة قبل أن يكون منّةً من أحد. والدولة التي تترك هذا الحقّ معلَّقاً خمس سنوات لا تملك أن تلوم أحداً حين يملأ غيرُها الفراغ.
وهرمز هو الخبر الاقتصادي لا الخبر العسكري. حين يصير ممرّ الطاقة ساحةً، ترتفع أقساط التأمين البحري قبل أن يرتفع سعر البرميل، وتصل الزيادة إلى لبنان عبر الفيول والمحروقات والنقل، أي إلى سعر الكهرباء وسعر الرغيف. وهذه ليست توقّعاً بل آليةٌ معروفة: كلّ دولارٍ إضافي على البرميل يمرّ، بعد أسابيع، في فاتورة أسرةٍ لبنانية.
وأخطر القنوات هي قناة الناس لا قناة النفط. ما ترويه مادّة «لوريان» — عقودٌ تُقصَّر، وتوظيفٌ يتوقّف، ولبنانيون يغادرون — هو مؤشّرٌ مبكر على ما يصيب التحويلات، وهي شريان الاقتصاد اللبناني الباقي بعد انهيار 2019. وتراجعٌ بنسبة 7.6% في سنةٍ واحدة قبل الحرب يعني أنّ الاتجاه كان نازلاً أصلاً، وأنّ الحرب تسرّعه لا تبدؤه.
وما يملكه لبنان هنا ليس قليلاً، لكنّه يتطلّب عملاً إدارياً لا خطاباً. أولاً، خليّة متابعة في وزارة الخارجية والمغتربين للبنانيي الخليج، تصدر إرشاداتٍ قنصلية وتفتح خطّ اتصالٍ مباشراً وتوثّق حالات إنهاء العقود. ثانياً، مصفوفة مخاطر لدى مصرف لبنان تقيس أثر سيناريوهات التحويلات على السيولة بالدولار، وتُنشر خلاصتها فصلياً. ثالثاً، سيناريو تحوّطٍ معلن في وزارة الطاقة لكلفة الفيول عند مستوياتٍ سعرية مختلفة، يُنشر قبل أن يقع الارتفاع لا بعده. النأي بالنفس موقفٌ سياسي؛ أمّا الاقتصاد فلا ينأى بنفسه.
والخيط الجامع بين تسع وقائع وسبعة ملفّات خيطٌ واحد: لا نصّ قرارٍ دستوري منشورٌ بحيثياته، ولا بيان تحقيقٍ دوري في ملفّ المتفجّرات، ولا تاريخ ضبطٍ مثبَّت رسمياً، ولا ورقة موقفٍ لبنانية منشورة لما بعد 31 كانون الأول، ولا سجلّ خروقاتٍ مرقَّم يصدر يومياً، ولا سجلّ أضرارٍ وطني يسبق أيّ برنامج تعويض، ولا سيناريو تحوّطٍ معلن لكلفة الطاقة. سبع فجوات، كلّها ورقٌ لا مال.
وموقف التحالف الوطني اللبناني يُختصر بجملة: الدولة تُقاس بما تنشره لا بما تَعِد به. القرار الدستوري يُنشر كاملاً وتُترجَم تحفظاته بتعميمٍ تطبيقي. وملفّ المتفجّرات يُدار بـبيانٍ منتظم لا بتسريب. واختصاص المحكمة العسكرية يُحصَر بقانون لا بردٍّ على بيان. والضمانات تُكتب أو لا تُحتسب. والخروق تُرقَّم وتُرفع. والتعويض حقٌّ على الدولة يُنظَّم بسجلٍّ لا منّةٌ من أحد. الدولة لا تُبنى بالبيانات، بل بالسجلّات.
«لوريان توداي»، 12 تشرين الأول 2026، 22:25 – وزير العدل والمجلس العدلي (خلفية مؤرَّخة)
«لوريان توداي»، 13 تشرين الأول 2026، 12:13 – اللبنانيون في الخليج (محجوبة جزئياً)
«الشرق الأوسط» عبر «آي إم ليبانون»، 14 تشرين الأول 2026، 06:42 – العفو وتعليق إضراب السجناء
«الشرق الأوسط» عبر «آي إم ليبانون»، 14 تشرين الأول 2026، 06:57 – ضهر البيدر والضمانات الأميركية
«اللواء» عبر «آي إم ليبانون»، 14 تشرين الأول 2026، 06:44 – جدّية الدولة في ملفّ المتفجّرات
«نداء الوطن» و«العربية» عبر «آي إم ليبانون»، 14 تشرين الأول 2026، 06:39 – موقف الخارجية الأميركية
«آي إم ليبانون»، 13 تشرين الأول 2026، 23:10 – جرد خروقات الجنوب
«أل بي سي آي»، 13 تشرين الأول 2026 – إحالة الإخبار وتوضيح المصدر القضائي
«لبنان 24»، 13 تشرين الأول 2026، 16:08 و22:03 و22:19 و22:23 و23:04 و23:26 – فهارس مؤرَّخة
«الإمارات اليوم» عن «د ب أ»، 13 تشرين الأول 2026 – بيان رئاسة الجمهورية
«يورونيوز عربي»، 13 تشرين الأول 2026، 17:33 – برنامج «وعد والتزام» بالأرقام
«القدس العربي» و«مونت كارلو الدولية» و«فرانس 24»، 13 تشرين الأول 2026 – تثبيت أرقام البرنامج
«مصراوي» عن وكالات، 14 تشرين الأول 2026، 00:54 و02:26 – الجنوب وبلاغا هرمز
«مصراوي»، 13 تشرين الأول 2026، 02:25 – إعلان الحرس الثوري (خلفية مؤرَّخة)
«بيروت تايم»، 13 تشرين الأول 2026، 22:14 – رصد القصف على حاريص
«عاجل» السعودية، 14 تشرين الأول 2026، 00:38 – وزارة الطاقة واستهداف مبنى أرامكو
«نهارنت»، 12 تشرين الأول 2026 – عين إبل وقطاف الزيتون (خلفية مؤرَّخة)