إيران ما بعد خامنئي: مَن اخترق النظام ومَن يحكم طهران؟

لم تعد الأزمة التي تواجهها إيران تقتصر على الضربات العسكرية أو الضغوط الخارجية، بل باتت تمتد إلى عمق منظومتها الأمنية وبنيتها السياسية. فبعد اغتيال المرشد علي خامنئي في الضربات الإسرائيلية–الأميركية التي وقعت في 28 شباط، تصاعدت المؤشرات إلى اختراق استخباراتي واسع، بالتزامن مع انقسام علني بين التيارين المتشدد والإصلاحي حول العلاقة مع واشنطن ومستقبل النظام.

اعتراف رسمي بحجم الاختراق

أقرّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوجود اختراق أمني واستخباراتي مستمر داخل البلاد، موضحاً أن المسألة لا تقتصر على القرصنة وسرقة المعلومات، بل تشمل توجيه عمليات ميدانية وتنفيذ هجمات والتأثير في «المناخ النفسي» للمجتمع الإيراني.

وتتقاطع تصريحات عراقجي مع مواقف سابقة لمحسن رضائي، المستشار السابق للمرشد، الذي ربط مقتل خامنئي وعدد من كبار قادة النظام بخروقات أمنية خطيرة.

وتذهب بعض الروايات المتداولة إلى أبعد من ذلك، إذ تشير إلى احتمال وصول الاختراق إلى الأجهزة المسؤولة عن حماية البرنامج النووي الإيراني، وسط مزاعم بأن أحد المسؤولين الأمنيين عن الملف كان يعمل لصالح جهاز الموساد، ما قد يعني انكشاف جانب حساس من القدرات النووية الإيرانية أمام إسرائيل.

وتكشف هذه المعطيات هشاشة داخلية عميقة، غذّاها التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي سهّلت عمليات التجنيد. وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن اعتقال السلطات الإيرانية نحو 27 ألف شخص للاشتباه في ارتباطهم بإسرائيل، وهو رقم يصعب التحقق منه بصورة مستقلة، لكنه يعكس حجم القلق الذي يسيطر على أجهزة النظام.

اغتيال خامنئي وأسئلة المؤامرة الداخلية

أثار اغتيال علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، تساؤلات حول الطريقة التي تمكنت بها إسرائيل والولايات المتحدة من تحديد مواقع القيادة الإيرانية واستهدافها بهذه الدقة.

وزادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن دور كبير لمؤامرة داخلية في نجاح العملية، من الشكوك بشأن احتمال وجود مساهمة إيرانية من داخل مؤسسات النظام.

كما أثار غياب مجتبى خامنئي عن التسجيلات المصورة والصوتية خلال مراسم تشييع والده مزيداً من التساؤلات، ولا سيما أن ظهوره كان متوقعاً في لحظة يفترض أنها تؤسس لانتقال القيادة. وقد فتح هذا الغياب الباب أمام تكهنات واسعة بشأن وضعه ومكان وجوده والظروف الفعلية التي أحاطت بعملية انتقال السلطة.

ولا يبدو الاختراق منفصلاً عن سلسلة عمليات سابقة طاولت قيادات وشخصيات مرتبطة بمحور طهران، ومن بينها اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله. ويشير تكرار هذا النمط إلى قدرة استخباراتية متراكمة استطاعت النفاذ إلى دوائر شديدة الحساسية داخل إيران والمنظمات المرتبطة بها.

مجتبى خامنئي بين التهديد والدعوة إلى الوحدة

في ظل هذه الظروف، تولّى مجتبى خامنئي قيادة النظام خلفاً لوالده، مطلقاً خطاباً جمع بين التصعيد والدعوة إلى التماسك الداخلي.

فقد هاجم الولايات المتحدة، وتوعد بالانتقام، ورفع شعارات تتعلق بـ«تحرير العالم»، في خطاب أعاد إلى الأذهان لهجة أجنحة النظام الأكثر تشدداً. وفي الوقت نفسه، دعا السلطات الثلاث إلى التعاون والثقة المتبادلة، وحثّ الإيرانيين على الوحدة، مؤكداً أن أي اتفاق مع واشنطن لا ينبغي اعتباره استسلاماً.

هذا التناقض بين لغة المواجهة ومحاولة حماية المسار التفاوضي يعكس المأزق الذي تواجهه القيادة الجديدة: فهي تحتاج إلى تهدئة الضغوط الخارجية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع التخلي عن الخطاب العقائدي الذي تستمد منه شرعيتها أمام القاعدة المتشددة.

جنازة كشفت الانقسام

بدلاً من أن تتحول جنازة خامنئي إلى مناسبة لإظهار وحدة النظام، كشفت عن صراع داخلي حاد. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن اتساع الهوة بين المحافظين والإصلاحيين، وظهور تيار متشدد يحذّر مما يسميه «الثورة الناعمة» داخل مؤسسات الدولة.

وبلغ التوتر مستوى غير مسبوق عندما هاجم متشددون شخصيات محسوبة على التيار الأكثر اعتدالاً، وفي مقدمها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. وأفادت الروايات بأن محتجين رشقوا عراقجي بالحجارة وأجبروه على مغادرة المكان، فيما ارتفعت هتافات تتهمه مع بزشكيان بالخيانة وتطالب بقتلهما.

في المقابل، أعلن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي تأييده للمفاوضات مع واشنطن، معتبراً أن السعي إلى السلام لا يشكل خيانة، بل يمثل خياراً وطنياً إصلاحياً. كما حذر من أن إفشال المفاوضات يصب في مصلحة إسرائيل، قبل أن يسارع المحافظون إلى رفض موقفه واتهامه بالدعوة إلى الاستسلام.

من يملك قرار الحرب والسلام؟

تكشف المواجهة بين الجناحين عن مشكلة تتجاوز الخلاف السياسي التقليدي، وتمسّ بنية اتخاذ القرار في إيران. فالرئيس ووزير الخارجية ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قد يتوصلون إلى اتفاق أو تفاهم مع واشنطن، لكن القوى العسكرية والأمنية المتشددة تستطيع تقويضه من خلال مهاجمة سفن أو إطلاق صواريخ أو فتح جبهة إقليمية جديدة.

وهكذا، لا تواجه إيران أزمة تفاوض مع الخارج فحسب، بل أزمة سلطة في الداخل: من يملك القرار النهائي؟ وهل تستطيع القيادة السياسية إلزام الأجهزة العسكرية والأمنية بما توقعه من اتفاقات؟

إن غياب مرجعية موحدة قادرة على ضبط مراكز القوة بات أحد الأسباب الرئيسية لانتقال الخلافات من الغرف المغلقة إلى الشارع، وتحولها في بعض الحالات إلى مواجهات وتهديدات علنية.

تصعيد إقليمي لتغطية الضعف الداخلي

على الرغم من حجم الاختراق والانقسام الداخلي، لا تزال إيران تعتمد سياسة التصعيد الإقليمي وتوسيع دائرة المواجهة، ولا سيما باتجاه الدول العربية المجاورة. فقد طاولت الهجمات الأردن والكويت والإمارات والسعودية، في مقابل تجنب لافت لاستهداف القوات الأميركية أو العمق الإسرائيلي بالمستوى نفسه.

وتشير تقديرات وردت في سياق النقاش السياسي إلى أن الجزء الأكبر من الهجمات الإيرانية خلال الحرب استهدف دولاً عربية وخليجية، بينما وُجهت نسبة أقل منها نحو إسرائيل. وإذا صحت هذه التقديرات، فإنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الحرب الإيرانية وأهدافها الحقيقية: هل تخوض طهران مواجهة مع إسرائيل، أم تستخدم الساحات العربية للتفاوض وحماية نظامها؟

وتكتسب الهجمات الصاروخية التي استهدفت الأردن دلالة إضافية، لأنها تنقل التصعيد إلى ساحة عربية جديدة وتهدد بتوسيع نطاق الحرب. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل استعدادها للتحرك بصورة منفردة، في مؤشر إلى احتمال تراجع فرص الحل الدبلوماسي والعودة إلى العمليات العسكرية المباشرة.

نظام يقاتل على جبهتين

تجد القيادة الإيرانية الجديدة نفسها اليوم أمام جبهتين متوازيتين: جبهة خارجية تتعرض فيها لضغط عسكري واستخباراتي متزايد، وجبهة داخلية تتنازعها مراكز القوى وتيارات تختلف جذرياً حول مستقبل البلاد.

فالاختراق الأمني لم يعد مجرد خلل تقني يمكن احتواؤه، والانقسام السياسي لم يعد خلافاً قابلاً للإدارة خلف الأبواب المغلقة. وبين قيادة جديدة تبحث عن الشرعية، وجناح متشدد قادر على تخريب أي تسوية، وتيار إصلاحي يدعو إلى التفاوض، تدخل إيران مرحلة قد تكون الأخطر في تاريخ نظامها منذ عام 1979.

ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع القيادة الجديدة إعادة توحيد النظام وضبط قراره العسكري، أم تتحول مرحلة ما بعد خامنئي إلى بداية تفكك داخلي ستكون ارتداداته أشد خطورة على إيران والمنطقة؟

Share On:

All Rights Reserved © 2026, Lebanese National Alliance.  Powered by Eyechain

التحالف الوطني اللبناني: المعركة اليوم في التأكيد على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ولبنان يفاوض عن لبنان | “معاريف: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني في الاتفاق الأميركي – الإيراني | ما منع تكرار غزة في لبنان: مجتمع متنوع ودولة لا تزال حاضرة | الرئيس عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أميركا ونعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني | الرئيس سلام: لبنان ليس ورقةً على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهةً احتياطية لأحد | وعد التحالف الوطني اللبناني: تحويل الإحباط اللبناني إلى قوة وطنية منظمة، وإعداد جيل جديد لا يكتفي بالاعتراض على الانهيار، بل يستعد لتحمّل مسؤولية القيادة وبناء الدولة. | الأخبار – التحديث اليومي | حول استعادة ودائع اللبنانيين ومواجهة منظومة النهب المصرفية ـ السياسية: التصعيد خيارنا | دبابات العدو تعبر الليطاني ومعركة النبطية تقترب | التحالف الوطني اللبناني يطلق مبادرته التربوية من أجل مجتمع متعاف وموحد |