
المنطقة تقف اليوم على حافة مرحلة أكثر خطورة. الولايات المتحدة تصعّد ضغطها على إيران، بين حصار بحري يتوسع وخيارات عسكرية جديدة يجري درسها، فيما ترتفع أسعار النفط مع استمرار تعطل جزء أساسي من الإمدادات. وفي موازاة ذلك، يحاول لبنان تثبيت موقفه: لا مفاوضات مباشرة تحت النار، ولا نقاش جدي قبل وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات، وانسحاب إسرائيل.
المشكلة أن لبنان لم يعد يستطيع التعامل مع هذا المسار كملف منفصل. ما يجري بين واشنطن وطهران يضغط مباشرة على الممر اللبناني، لكن لبنان في الوقت نفسه لا يريد أن يتحول إلى مجرد تفصيل داخل هذه المواجهة الكبرى.
التطور الأبرز أن دونالد ترامب سيتلقى الخميس إحاطة من قائد القيادة الوسطى الأميركية براد كوبر حول خطط جديدة محتملة لاستئناف العمل العسكري ضد إيران. الحديث هنا لا يدور عن مجرد مراجعة روتينية، بل عن خيارات جدية تشمل ضربات سريعة ومركزة قد تستهدف البنية التحتية، في محاولة لكسر الجمود التفاوضي ودفع طهران إلى العودة إلى الطاولة بشروط أقل تشددًا.
وفي الخلفية، لا يبدو أن البيت الأبيض حسم خياره بعد. فترامب ما زال يرى أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، لأنه يخنق إيران اقتصاديًا ويضغط عليها من دون الانزلاق فورًا إلى حرب بحرية أو برية واسعة. لذلك يتعامل مع الموانئ الإيرانية وهرمز كورقة استنزاف طويلة النفس، لا مجرد أداة عسكرية عابرة. في المقابل، ترفض طهران التفاوض تحت هذا النوع من الضغط، وتتعامل معه كمسعى إلى فرض الاستسلام لا إلى فتح باب تسوية.
هذا الاشتباك انعكس فورًا على الأسواق. النفط صعد بقوة، والرسالة باتت واضحة: الأزمة لم تعد مجرد أزمة تفاوض أو توتر عسكري، بل بدأت تتحول إلى أزمة طاقة واقتصاد ومعيشة، تمتد من الخليج إلى أوروبا والعالم.
وفي الوقت نفسه، اتسعت التوترات بين ترامب وبعض الحلفاء الأوروبيين، بعد سجاله مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس. صحيح أن هذا الخلاف يبدو سياسيًا في ظاهره، لكنه يذكّر بأن الحرب على إيران، مهما ارتفعت فيها نبرة ترامب ضد أوروبا أو “الناتو”، تبقى مرتبطة عمليًا بشبكة حلفاء وقواعد وممرات غربية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
أما موسكو، فتبقى حاضرة من الخلف. الاتصال بين بوتين وترامب عكس رغبة روسية واضحة في منع الانزلاق إلى حرب أوسع، مع تحذير من أن أي عملية برية أميركية ضد إيران ستكون شديدة الخطورة. وهذا يؤكد أن الصراع لم يعد أميركيًا–إيرانيًا فقط، بل صار مشدودًا إلى توازنات أوسع تشمل الخليج وأوروبا وروسيا معًا.
لماذا يهم
ما يجري اليوم يكشف أن واشنطن تتحرك بمنطق الضغط المركب: حصار، تلويح بالقصف، رسائل متناقضة أحيانًا، ومحاولة إبقاء إيران بين الخوف من الضربة والرغبة في الاتفاق. لكن هذا الأسلوب نفسه يشي بأمر آخر: الحسم العسكري السريع ليس مضمونًا، وإدارة ترامب تبحث عن “مشهد انتصار” أكثر مما تملك انتصارًا واضحًا بالفعل.
في المقابل، لا تبدو إيران في عجلة من أمرها. هي تراهن على الوقت، وعلى قدرتها على تحمل الضغط أكثر مما تستطيع إدارة ترامب تحمّل كلفة المراوحة. لديها أوراقها: هرمز، ما تبقى من البرنامج النووي، أدوات الإيذاء غير المتكافئ، والقدرة على إبقاء التوتر قائمًا من دون الانكسار السريع. لذلك، ورغم كل الضجيج، لم تنهَر المفاوضات بالكامل، لكنها لم تقترب أيضًا من اختراق حقيقي. العقد الأساسية ما زالت في مكانها: التخصيب، المخزون النووي، الحصار، وما بعد الحرب.
أما الكلام عن الخيارات النووية أو الضربات المحدودة ضد منشآت شديدة التحصين، فهو لا يزال في مساحة السيناريوهات القصوى أكثر مما هو في مساحة القرار المعلن. لكن مجرد تداول هذا النوع من الأفكار يكشف حجم المأزق: عندما تصبح الضربات التقليدية موضع شك، فهذا يعني أن فكرة “الضربة القاضية” نفسها باتت مهزوزة.
ماذا يعني للبنان
أولًا، في الموقف التفاوضي:
لبنان يحاول أن يدخل هذه المرحلة بخط واضح: وقف الأعمال العدائية أولًا، تثبيت الهدوء، انسحاب إسرائيلي واضح، ثم الانتقال إلى أي نقاش آخر. هذا ليس موقفًا شكليًا، بل محاولة لحماية أي مسار تفاوضي من أن يتحول إلى غطاء لاستمرار الحرب. فالتفاوض تحت النار لا يفتح باب الحل، بل يضعف الطرف اللبناني أكثر.
ثانيًا، في ميزان القوى الداخلي:
المشكلة أن لبنان لا يدخل هذا المسار من موقع داخلي متماسك بالكامل. هناك محاولة لتوحيد الموقف الرسمي، ولتعزيز التنسيق بين بعبدا وعين التينة والحكومة، مع دعم عربي واضح للاستقرار الداخلي. لكن السؤال يبقى مطروحًا: من يملك القرار الفعلي حين تتداخل الدولة، وبري، وحزب الله، وضغط الإقليم؟ هنا يصبح التماسك الداخلي نفسه جزءًا من المعركة، لا مجرد خلفية لها.
ثالثًا، في مسألة السلاح:
هذه تبقى العقدة الأعمق. إسرائيل لا تريد فقط وقف النار، بل تريد من الدولة اللبنانية أن تحصر السلاح بيدها كمدخل إلى أي استقرار طويل. لكنها، مهما وسعت ضرباتها، لا تستطيع وحدها أن تنزع سلاح الحزب. هذه هي الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها: السلاح قد يُستنزف في الحرب، لكن انتقاله إلى الشرعية اللبنانية لا يحصل بالقصف، بل بقرار لبناني وسيادي ومؤسساتي. وهنا يظهر الجيش اللبناني كعنصر حاسم نظريًا، لكن من دون غطاء سياسي وطائفي ومؤسساتي كافٍ، يبقى هذا الدور معلقًا.
رابعًا، في خطر الانقسام الداخلي:
الخطر الأكبر ليس فقط في الحرب مع إسرائيل، بل في ما قد يأتي بعد أي اتفاق. فإذا فُرض على الداخل اللبناني مسار لا يملك حدًا أدنى من التفاهم الوطني، وإذا تضمن بنودًا يرفضها حزب الله أو جزء واسع من بيئته، فقد يتحول ملف السلام نفسه إلى شرارة انقسام داخلي خطير. هنا يصبح السؤال الحقيقي: من يقرر؟ ومن يتحمل الكلفة؟ ومن يضمن ألا تتحول التسوية إلى سبب أزمة جديدة داخل لبنان؟
خامسًا، في المزاج السني والعربي:
المزاج السني، كما تعكسه القراءات السياسية المطروحة، لا يبدو متطابقًا لا مع حزب الله ولا مع فكرة التطبيع السهل. هناك مسافة من الحزب، لكن هناك أيضًا تمسك قوي بالدولة وخوف واضح من إعادة استخدام السلاح في الداخل. كما أن بعض العواصم العربية لا تبدو متحمسة لأن يذهب لبنان منفردًا إلى سلام بلا غطاء عربي أوسع. وهذا يعني أن التفاوض اللبناني لا يجري فقط تحت ضغط إسرائيل وإيران، بل أيضًا وسط حسابات عربية وداخلية شديدة التعقيد.
سادسًا، اقتصاديًا واجتماعيًا:
لبنان بدأ يدفع الثمن قبل أن تتضح نهاية المشهد. موسم الصيف يقترب، لكن التحضيرات السياحية والاقتصادية تتعثر، والمهرجانات تؤجل، والناس تعيش على إيقاع الخوف وعدم اليقين. وكل يوم إضافي من التوتر في هرمز أو الجنوب أو المفاوضات ينعكس فورًا على الوقود والنقل والثقة والسياحة. بالنسبة إلى اللبنانيين، لم تعد التهدئة مجرد عنوان دبلوماسي، بل صارت شرطًا للحياة اليومية نفسها.
ما الذي يجب مراقبته لاحقًا
1. ماذا سيخرج من إحاطة الخميس لترامب؟
إذا رست الإدارة على خيار الإبقاء على الحصار وحده، فهذا يعني مرحلة طويلة من الضغط والاستنزاف. أما إذا فُتح الباب لضربات جديدة، فالإقليم سيدخل مرحلة أشد كلفة وأقل قابلية للضبط.
2. هل ينجح لبنان في تثبيت وقف النار قبل توسيع التفاوض؟
هذا هو الشرط اللبناني الأكثر حساسية. من دونه، ستبقى أي مفاوضات هشة ومفتوحة على التعطيل والانفجار.
3. هل يتحول مطلب حصر السلاح إلى مشروع دولة لا إلى مجرد شرط خارجي؟
هذه هي نقطة الفصل الحقيقية. إذا بقي الأمر يُطرح فقط كطلب إسرائيلي، فسيزيد الانقسام. أما إذا تحوّل إلى مشروع سيادي لبناني، فقد يغيّر النقاش كله.
الصورة الآن شديدة الوضوح: واشنطن تضغط أكثر لكنها لم تحسم، إيران ترفض التفاوض تحت الخنق، ولبنان يحاول أن يمنع ابتلاع ملفه داخل الحرب الكبرى. لذلك يبدو الموقف اللبناني الرسمي منطقيًا في جوهره: وقف نار أولًا، انسحاب واضح، ثم أي حديث آخر. لكن هذا المسار لن ينجح إذا بقي الداخل اللبناني منقسمًا، وإذا بقيت الدولة أضعف من أن تحمل وحدها معنى السلام ومعنى السيادة في آن.
في النهاية، لم يعد السؤال فقط: هل تبدأ المفاوضات؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع لبنان أن يدخلها من موقع دولة، لا من موقع ساحة؟
ينطلق التحالف الوطني اللبناني من أولوية واضحة: حماية الناس، صون الاستقرار، والدفع نحو دولة قادرة تمسك قرارها ومؤسساتها، لأن كلفة الفوضى يدفعها اللبنانيون أولًا.
التحالف الوطني اللبناني (LNA)
قراءة يومية هادئة وموثوقة لما يهم لبنان واللبنانيين.